للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ كَمَا بَيَّنَّاهَا فِي الابْتِدَاءِ، وَأَمَّا الصُّيُودُ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ قَبْلُ، فَمَا أُكِلَ مِنْهَا: لَا تَظْهَرُ الحُرْمَةُ فِيهِ، لِانْعِدَامِ المَحَلِّيَّةِ، وَمَا لَيْسَ بِمُحْرَزٍ بِأَنْ كَانَ فِي المَفَازَةِ بِأَنْ لَمْ يَظْفَرْ صَاحِبُهُ بَعْدَ تَثَبُّتِ الحُرْمَةِ فِيهِ بِالاتِّفَاقِ، وَمَا هُوَ مُحْرَزٌ فِي بَيْتِهِ يَحْرُمُ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا (*)، هُمَا يَقُولَانِ: إِنَّ الأَكْلَ لَيْسَ يَدُلُّ عَلَى الجَهْلِ فِيمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ الحِرْفَةَ قَدْ تُنْسَى، وَلِأَنَّ فِيمَا أَحْرَزَهُ قَدْ أَمْضَى الحُكْمَ فِيهِ الاجْتِهَادُ، فَلَا يُنْقَضُ بِاجْتِهَادٍ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ المَقْصُودَ قَدْ حَصَلَ بِالأَوَّلِ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُحْرَزِ؛ لِأَنَّهُ مَا حَصَلَ المَقْصُودُ مِنْ كُلِّ وَجْهِ، لِبَقَائِهِ صَيْدًا مِنْ وَجْهِ، لِعَدَمِ الإِحْرَازِ، فَحَرَّمْنَاهُ احْتِيَاطًا، وَلَهُ: أَنَّهُ آيَةُ جَهْلِهِ مِنْ الابْتِدَاءِ؛ لِأَنَّ الحِرْفَةَ لَا يُنْسَى أَصْلُهَا، فَإِذَا أَكَلَ

ولو قال الخصم: إذا خص عموم النص بالأثر نحن لا نشترط عدم الأكل في الكلب قياسًا على البازي.

قلنا: قياس مخالف للنص، فإنه لو أخرج الكلب منه ما بقي تحت النص شيء، فيبطل النص فيكون مخالفًا للنص.

قوله: (على اختلاف الروايات) فعنده باجتهاده الكلاب، وعندهما بترك الأكل ثلاثا كما مر، ولا يعلم فيه خلاف بأن كان في المفازة بعد ولم يأخذه الصياد.

فالحاصل: أنه يحكم بجهله مقصورًا، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وعند أبي حنيفة مستندا.

قوله: (لا ينسى أصلها)؛ أي: أصل الحرفة، ويحتمل أن ينسى دقائقها بالترك زمانًا، كالخياطة ونحوها في الآدمي، ولما وجب الحكم بكونه جاهلا في الحال تبين أنه لم يكن مُعلَّمًا، وأنه إنما ترك الأكل حين ترك للشبع، وحين لم يترك كان جائعا، وهذا الأكل وإن كان محتملا لكنه تعين أنه لكونه غير معلم بدليل شرعي، حيث حرم تناول هذا الصيد، وتبدل الاجتهاد قبل حصول المقصود؛ لأن المقصود منه الأكل، ولم يوجد في المحرز، وصار كتبدل اجتهاد القاضي قبل [القضاء] (١).


(*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(١) بياض بالأصل والمثبت من النسخة الثانية.

<<  <  ج: ص:  >  >>