للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا يَصِيرُ آلَةٌ بِالتَّعْلِيمِ لِيَكُونَ عَامِلًا لَهُ فَيَتَرَسَّلُ بِإِرْسَالِهِ وَيُمْسِكُهُ عَلَيْهِ.

قَالَ: (تَعْلِيمُ الكَلْبِ: أَنْ يَتْرُكَ الأَكْلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَتَعْلِيمُ البَازِي: أَنْ يَرْجِعَ وَيُجِيبَ إِذَا دَعَوْتَهُ) وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلِأَنَّ بَدَنَ البَازِيِّ لَا يَحْتَمِلُ الضَّرْبَ، وَبَدَنُ الكَلْبِ يَحْتَمِلُهُ فَيُضْرَبُ لِيَتْرُكَهُ، وَلِأَنَّ آيَةَ التَّعْلِيمِ تَرْكُ مَا هُوَ أَلُوفٌ عَادَةٌ، وَالبَازِيُّ مُتَوَحِّشُ مُتَنَفِّرٌ فَكَانَتْ الإِجَابَةُ آيَةَ تَعْلِيمِهِ، وَأَمَّا الكَلْبُ فَهُوَ مَأْلُوفٌ يَعْتَادُ الانْتِهَابَ، فَكَانَ آيَةُ تَعْلِيمِهِ تَرْكَ مَألُوفِهِ وَهُوَ الأَكْلُ وَالِاسْتِلَابُ، ثُمَّ شُرِطَ تَرْكُ

(ولأنه)؛ أي: الحيوان (إنما يصير آلة له بالتعليم ليكون عاملا له).

وفي مبسوط شيخ الإسلام : الآلة [التي] (١) تحصل بها الذكاة نوعان: جماد وحيوان والجماد ما يتصل بالفاعل كالسكين، والسيف، والرمح، وما ينفصل عن الفاعل كالسهم وغيره.

والحيوان نوعان ما يكون من جنس السباع، وما يكون من جنس الطيور.

وإنما تصلح هذه الحيوانات آلة بعد العلم؛ لأن قتله من حيث إنّ لا عقل له وهو جارح يصلح آلة كالسكين، ومن حيث إن له اختيار لا يصلح، إلا أن الآلة ما لا اختيار له كالسكين، وإذا لم يترجح ما يوجب أن يكون آلة على ما يمنع؛ فشرط الشرع التعليم فيه، حتى يترجح ما يوجب كونه آلة؛ لأنه لما عمل لصاحبه لا لنفسه كان كالسكين فترجح كونه آلة.

قوله: (وبدن الكلب يحتمله)؛ أي: الضرب، فيمكن أن يضربه حتى يدع الأكل، وبدن البازي لا يحتمله؛ فتعذر تحقيق هذا الشرط، فأقيم مقامه ما يدل عليه، وهو الإجابة عند الدعاء.

قوله: (ترك ما هو ألوف عادة)؛ لأن حقيقة العلم والجهل في الحيوان أمر مُبَطَّنٌ، فأقيم تبدل العادة المألوفة مقام العلم والجري على ذلك فيقام ضده.

وفي الكلب ضد العادة المألوفة ترك الأكل لا الإجابة عند الدعوة؛ لأنه ألوف في إجابة صاحبه إذا دعاه، غير مخالف لطبعه وعادته، فلا يكون ذلك


(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.

<<  <  ج: ص:  >  >>