للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثُمَّ لِلْبَائِعِ خِيَارُ الفَسْخِ، لِأَنَّهُ عَجَزَ المُشْتَرِي عَنْ إِيفَاءِ الثَّمَنِ فَيُوجِبُ ذَلِكَ حَقَّ الفَسْخِ كَعَجْزِ البَائِعِ عَنْ تَسْلِيمِ المَبِيعِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، وَمِنْ قَضِيَّتِهِ المُسَاوَاةُ وَصَارَ كَالسَّلَمِ. وَلَنَا: أَنَّ الإِفْلَاسَ يُوجِبُ العَجْزَ عَنْ تَسْلِيمِ العَيْنِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ بِالعَقْدِ،

عِنْدَ إنسانٍ قَدْ أَفلس فهوَ أَحَقُّ بِهِ» متفق عيله (١).

وقد روي هذا الحديث في غير هذا الوجه بألفاظ غير ما ذكر في حديث أبي هريرة، فذكروا عن عبد الرحمن بن أبي بكر (٢) أنه قال: «أيما رجل ابتاع مَتَاعًا، وأفلسَ الذِي ابْتَاعَهُ، وَلَمْ يقبض الذي باعَهُ مِنْ ثمنه شيئًا، فوجدهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحقُّ بِهِ، فإن ماتَ المُشتري فصاحِبُ المَتاعِ أُسْوَةٌ لِلغُرَماءِ» (٣)، ولأن المشتري عجز عن تسليم أحد بدلي العقد وهو الثمن، فيثبت حق الفسخ للبائع، كما لو عجز البائع عن تسليم المبيع بالإباق ونحوه، والجامع بينهما أنه عقد معاوضة، فيقتضي المساواة، وصار كالسلم، فإن المسلم فيه دين كالثمن، وإذا انقطع المسلم فيه يثبت خيار الفسخ لرب السلم كذا هنا.

ولهذا لو كسدت فلوس الثمن يبطل البيع عندكم للعجز عن الثمن، وكذا المكاتب لو عجز يفسخ العقد؛ لعجز البدل فكذا بعجز الثمن.

ولنا قوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] والمشتري حين أفلس بالثمن فقد استحق النظرة شرعًا، ولو أجله البائع لم يكن له حق الفسخ قبل مضي الأجل، فكذا إذا صار منظرًا بإنظار الله تعالى.

(ولأن الإفلاس يوجب العجز عن تسليم العين) أي: عين الدراهم المنقودة، وعين الدنانير المنقودة (وهو) (٤) أي: عين الدراهم المنقودة (غير مستحق بالعقد) بل المستحق به الدين، وهو وصف في الذمة، فعلم أنه عجز عن


(١) أخرجه البخاري (٣/ ١١٨ رقم ٢٤٠٢)، ومسلم (٣/ ١١٩٣ رقم ١٥٥٩).
(٢) هكذا، والصواب: (أبو بكر بن عبد الرحمن)، وهو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، كما في مصادر التخريج.
(٣) أخرجه أبو داود (٣/ ٢٨٦ رقم ٣٥٢٠)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٢/١٧ رقم ٤٦٠٥) مرسلًا.
(٤) في الأصل: (وهي)، والمثبت من النسخة الثانية.

<<  <  ج: ص:  >  >>