للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لَاتِّصَالِ الإِمْضَاءِ بِهِ فَلَا يُقْبَلُ النَّقْضُ بَعْدَ ذَلِكَ (ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِذَا بَلَغَ الغُلَامُ غَيْرَ رَشِيدٍ لَمْ يُسَلَّمْ إِلَيْهِ مَالُهُ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةٌ، فَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ، فَإِذَا بَلَغَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً يُسَلَّمُ إِلَيْهِ مَالُهُ وَإِنْ لَمْ يُؤْنَسْ مِنهُ الرُّشْدُ. وَقَالَا: لَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ مَالُهُ أَبَدًا حَتَّى يُؤْنَسَ مِنهُ رُشْدُهُ، وَلَا يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ) (*) لِأَنَّ عِلَّةَ المَنْعِ السَّفَهُ فَيَبْقَى مَا بَقِيَ العِلَّةُ وَصَارَ كَالصِّبَا. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ : أَنَّ مَنْعَ المَالِ عَنْهُ بِطَرِيقِ التَّأْدِيبِ، وَلَا يَتَأَدَّبُ بَعْدَ هَذَا ظَاهِرًا وَغَالِبًا؛ أَلَا يَرَى أَنَّهُ قَدْ يَصِيرُ جَدًّا

قوله: (وقالا) أي: أبو يوسف، ومحمد: لا يدفع ماله إليه أبدا حتى يؤنس منه رشد وإن صار شيخًا فانيًا، وبه قالت الأئمة الثلاثة، وأكثر علماء الأمصار، وقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا﴾ [النساء: ٦] علق الدفع بإيناس الرشد، فلا يجوز الدفع قبله؛ لأن المعلق بالشرط معدوم قبله، ولأن منع المال قبله لعلة السفه، فيبقى ببقاء العلة ويزول بزوال العلة، إذ العبرة لقيام العلة وزوالها لا للزمان.

ولأبي حنيفة قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] والمراد به بعد البلوغ، فهو تنصيص على وجوب الدفع بعد البلوغ، إلا أنه منع عنه ماله قبل هذه المدة بالإجماع، ولا إجماع هاهنا، فيجب الدفع إليه بالنص، والتعليق بالشرط لا يوجب العدم عند العدم عندنا، على أن الشرط (رشدًا) نكرة، فإذا صار الشرط في حكم الوجود بوجه وجب جزاؤه، فأول أحوال البلوغ قد لا يفارقه السفه باعتبار أثر الصبا، وبقاء أثره لبقاء عينه، فإذا امتد الزمان وظهرت الخبرة والتجربة لم يبق أثر الصبا، وحدث ضرب من الرشد لا محالة؛ لأنه حال كمال عقله.

فقد [روي] (١) عن عمر أنه قال: «ينتهي لب الرجل إذا بلغ خمسا وعشرين سنة».

وقال أهل الطبائع: من بلغ خمسا وعشرين سنة فقد بلغ رشده، ألا ترى أنه يصير جدًّا صحيحًا في هذا السن؛ لأن أدنى ما يحتلم الإنسان في اثني عشر سنة


(*) الراجح: قول الصاحبين.
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.

<<  <  ج: ص:  >  >>