يحجر عليه، فقال عثمان: كيف أحجر على رجل شريكه الزبير، وإنما قال لأن الزبير كان معروفًا بالكياسة في التجارة، فاستدل برغبته في الشركة على أنه لا غبن في تصرفه، وهذا اتفاق منهم على جواز الحجر بهذا السبب.
وروي أن عائشة كانت تتصدق بمالها، حتى روي أنه كان لها رباع فهمت ببيعها لتتصدق بثمنها، فبلغ ذلك عبد الله بن الزبير فقال: لتنتهين عائشة عن بيع رباعها أو لأحجرن عليها (١).
قلنا: قيل: المراد بالسفيه في الآية المجنون والصغير؛ لأن السفه لغة: عبارة عن الخفة، وذلك بانعدام العقل أو نقصانه، وكذا يحمل السفيه عليهما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾ وعليه أكثر أهل التأويل.
والمراد من النهي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ نهي الأزواج عن دفع المال إلى النساء، وجعل التصرف إليهن، كما كانت العرب تفعله، ألا ترى أنه قال: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ وذلك يتناول المخاطبين بهذا النهي لأموال السفهاء.
وأما حديث عبد الله بن جعفر فدليلنا؛ لأن عثمان امتنع من الحجر عليه مع سؤال علي، وأكثر ما فيه أنه لم يكن في ذلك التصرف غبن [حين](٢) رغب الزبير في الشركة، ولكن المبذر أن يصرف تصرفًا واحدًا على وجه لا غبن فيه، فإنه يحجر عليه عند الخصم، فلما لم يحجر عليه مع ثبوت التبذير في غيره دل أن ذلك من علي على سبيل التخويف.
وحديث عائشة دليلنا أيضًا، فإنه لما بلغها قول ابن الزبير حلفت أن لا تكلم ابن الزبير أبدًا، فلو كان الحجر حكمًا شرعًا استجارت بهذا الحلف من نفسها مجازاة على قوله فيما هو حكم شرعي، وبهذا تبين أن ابن الزبير إنما قال ذلك كراهة أن تفني مالها فتُبتلى بالفقر، فتصير عيالا على غيرها، بعدما كان يعولها رسول الله ﷺ، والمصير إلى هذا أولى؛ ليكون أبعد من نسبة السفه والتبذير إلى الصحابة، كذا في المبسوط.
(١) أخرجه البخاري (٦٠٧٣) بنحوه. (٢) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثالثة.