للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لِأَنَّ الحَجْرَ أَبْلَغُ مِنهُ فِي العُقُوبَةِ، وَلَا عَلَى الصَّبِيِّ، … ... … ...

التصرفات الأصلية أصلية، فلا يقاس إبطال أعلى النعمتين على أدناهما.

قوله: (ولا على الصبي) إذ لا يصح قياسه على الصبي؛ لأن الصبي لما كان عاجزًا عن النظر لنفسه، احتجنا ضرورة إلى صيرورة الغير وليا والمولى عليه لا التصرف.

أما السفيه قادر على النظر لنفسه؛ لكمال عقله، وإن كان يعدل عن سير العقل بهواه، ومنع المال عنه مفيد؛ لأن قبل المنع يتلف ماله بيده ولسانه، وبعد المنع لا يتلف إلا بلسانه، ولأن التبذير إنما يكون في الهبات والصدقات غالبًا- ولا يتم ذلك إلا بالقبض، ولا إقباض باليد، ولا يد مع المنع.

فإن قيل: جعل الله للسفيه وليا في قوله تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].

قلنا: السفيه هو المجنون عنده وعليه كثير من أهل التأويل.

وفي المبسوط: وأبو حنيفة استدل بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦] فقد نهى عن الإسراف والبدار في ماله مخافة أن يكبر، فلا يبقى له عليه ولاية، والتنصيص على زوال ولايته عنه، وعدم الكبر تنصيص على زوال الحجر عنه بالكبر؛ لأن الولاية عليه للحاجة وإنما تنعدم الحاجة إذا صار هو مطلق التصرف.

فإن قيل: ما جواب أبي حنيفة عما تمسك الخصم من النصوص والآثار؟ فقد تمسك بقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وهذا تنصيص على إثبات الولاية على السفيه، وأنه لا يصير موليًا عليه إلا بعد الحجر، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ إلى أن قال: ﴿وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥] فهذا تنصيص على إثبات الحجر عليه بطريق النظر.

وقد روي أن عبد الله بن جعفر كان يفني ماله في اتخاذ الضيافات حتى اشترى دارًا للضيافة بمائة ألف درهم، فبلغ ذلك عمه علي بن أبي طالب، فقال: لآتين عثمان ولأسألنه أن يحجر عليه، فاهتم بذلك عبد الله، وجاء إلى الزبير وأخبره بذلك، فقال: أشركني فيها فأشركه، ثم جاء علي إلى عثمان وسأله أن

<<  <  ج: ص:  >  >>