للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مِنْ التَّبْذِيرِ فَلَا يُتَحَمَّلُ الأَعْلَى لِدَفْعِ الأَدْنَى، حَتَّى لَوْ كَانَ فِي الحَجْرِ دَفْعُ ضَرَرٍ عَامٌ كَالحَجْرِ عَلَى المُتَطَبِّبِ الجَاهِلِ، وَالمُفْتِي المَاجِنِ، وَالمُكَارِي المُفْلِسِ: جَازَ فِيمَا يُرْوَى عَنْهُ، إِذْ هُوَ دَفْعُ ضَرَرِ الأَعْلَى بِالأَدْنَى، وَلَا يَصِحُّ القِيَاسُ عَلَى مَنْعِ المَالِ،

بالتمييز واللزوم بالخطاب، فكان في إبطال ولايته إهدار آدميته وإلحاقه بالمجانين والبهائم، فلأن يكون فيه نظر، بل الضرر فيه أعظم من ضرر التبذير؛ لأن الإنسان إنما يُبايِنُ سائر الحيوانات باعتبار قوله في التصرفات، ولا يُتَحَمَّلُ الضرر الأعلى دفع الضرر الأدنى، بل يُدْفَعُ الأعلى بالأدنى، حتى رُوِيَ عن أبي حنيفة أنه يجوز الحجر على المفتي الماجن، والمُتَطَبّب الجاهل، والمكاري المفلس؛ لأن فيه دفع الضرر الأعلى، وهو الضرر العام بالضرر الخاص.

إذ المفتي الماجن الذي يُعلّم الناس الحِيلَ الباطلة مثل أن يعلم المرأة حتى تَرْتَدَّ فَتَبِينَ من زوجها، ويُعلّم الرجل أن يرتد فتسقط عنه الزكاة ثم يسلم، ولا يبالي أن يحرم حلالا أو يحل حرامًا، يفسد على الناس دينهم.

والمتطبب الجاهل يفسد أبدانهم، والمكاري المفلس يتلف أموالهم، فإنه إذا ماتت دابته في الطريق وليس له أخرى، ولا يمكنه شراء أخرى، ولا الاستئجار، يؤدي إلى إتلاف أموال الناس، فيدفع الأعلى بالأدنى.

قوله: (ولا يصح القياس) إلى آخره جواب عن قياس الخصم، حيث اعتبره بمنع المال؛ لأن منع المال ثبت غير معقول المعنى، إذ منع المال عن المالك والملك مطلق التصرف غير معقول.

(ولأنه) (١) أي: منع المال عقوبة شرعت زجرا له عن التبذير، فلا تحتمل المقايسة، لأن الحجر أبلغ من منع المال في العقوبة.

وقيل: هذا يلزم على الشافعي؛ لأنه يرى الحجر عليه عقوبة.

أما عندهما: الحجر عليه نظرًا له.

وقيل: هذا على طريق بعض مشايخنا، حيث قال: إن المنع بطريق العقوبة، ولأن اليد للآدمي على المال نعمة زائدة، وإطلاق اللسان في


(١) انظر المتن ص ٤٨٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>