وفيه دليل أن هبة المشاع فيما يحتمل القسمة لا تكون باطلة لمباشرة أبي بكر، وفيه دليل أن الرجوع في الهبة قبل القبض يصح، ولأنه عقد تبرع فلو ثبت الملك بلا قبض تتوجه المطالبة عليه بالتسليم كما في البيع فيؤدي إلى إيجاب شيء لم يتبرع به، وهو خلاف موضوع التبرعات، بخلاف المعاوضات.
ولا يقال: إن الملك يقع على وجه لا يوجب التسليم لأنه لا يفيد، إذ فائدة الملك التمكن من التصرفات، وذا إنما يكون إذا كان بسبيل من قبضه، ولا يصح القياس على الوقف والوصية؛ لأن الوقف إخراج ملك إلى الله تعالى، أو التصدق بمنفعته، وفيه لا يشترط القبض، وكذا في الوصية ثبت الملك بعد الموت، ولا مطالبة ولا إلزام على المتبرع لعدم أهلية اللزوم حينئذ، والوارث لم يملك.
هذا جواب سؤال مقدر وهو أن يقال: إن انعدم أهلية الموصي فوارثه يخلفه في ملكه، فكان ينبغي أن يتوقف ملك الموصى له إلى وقت التسليم، فأجاب عنه بأن حق الوارث متأخر عن الوصية فلا يصح تسليمه فيما صح فيه الوصية.
فإن قيل: الشروع في عقد الهبة التزام التسليم تبعًا كالشروع في صلاة النفل، وصوم النفل وكالتزام الصلاة بالنذر فإنه يلزمه الوضوء تبعا لما أنها لا تصح ولا تتم إلا به، فكذا هاهنا الشروع في الهبة لا يتم المقصود منه إلا بالتسليم فينبغي أن يجب التسليم.
قلنا: في الشروع في صلاة النفل إنما يلزمه الركعة الثانية، والإمساكات الباقية صيانة لما مضى عن البطلان، والوضوء تبع للصلاة فكان النذر بها نذرا به، ولا كذلك هاهنا لأن للهبة صحة بدون القبض، وإنما القبض للزوم العقد، وعقد الهبة بعد القبض غير لازم حتى يصح الرجوع، فكيف يكون لازما قبل القبض؟ إليه أشار في الأسرار.