للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَلِأَنَّهُ أَتَى بِحَقِيقَةِ الإِسْلَامِ وَهِيَ التَّصْدِيقُ وَالإِقْرَارُ مَعَهُ؛ لِأَنَّ الإِقْرَارَ عَنْ طَوع دَلِيلٌ عَلَى الاعْتِقَادِ عَلَى مَا عُرِفَ وَالحَقَائِقُ لَا تُرَدُّ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ سَعَادَةٌ أَبَدِيَّةٌ وَنَجَاةٌ عَقِبَاوِيَّةٌ، وَهِيَ مِنْ أَجَلُ المَنَافِعِ وَهُوَ الحُكمُ الأَصْلِيُّ، ثُمَّ يُبَتَنَى عَلَيْهِ غَيْرُهَا فَلَا يُبَالِي بِشَوبِهِ.

(ولأنه أتى بحقيقة الإسلام) إذ هو تصديق بالجنان وإقرار باللسان، وهو من أهله فوجب ألا يرد كالبالغ؛ إذ الكلام في صبي عاقل يفهم الحجة على وحدانية الله تعالى، ونبوة محمد حتى إذا ناظر أَفْهَمَ المُوَحِّدَ وأَفحَمَ المُلْحِدَ، والاعتقاد باطن لا يوقف عليه فأقيم السبب الظاهر وهو (الإقرار عن طوع) مقامه. ألا ترى أنه مع الصبا أهل للرسالة قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢].

ثم بعد وجود الشيء من أهله حقيقة؛ إما أن يسقط اعتباره بحجر شرعي والحجر عن الإسلام باطل أو لا يحكم بصحته لضرر يلحقه وذا باطل لأنه سبب للفوز الأبدي فكان محض منفعة في الدنيا والآخرة (وهو الحكم الأصلي) الموضوع له (ثم) قد (يبتنى عليه) حرمان الإرث والفرقة فلا يبالي بذلك؛ لأن المنظور إليه في التصرفات الموضوعات الأصلية.

ألا ترى أن ذا يثبت إذا جعل مسلما تبعا لغيره، والتبعية فيما يتمحض نفعًا لا فيما يشوبه ضرر، وكونه مُوَلَّى عليه لا ينفي كونه وليا بل يثبت الأمران لينتفع بهما.

وهذا لأنه لما كان قاصر الأهلية صلح مولى ولما كان صاحب أصل الأهلية صلح وليا فمتى جعلناه وليا لم نجعله مولى عليه ومتى جعلناه مولى عليه لم نجعله وليًا فيه فإنه إذا صار مسلمًا بإسلام نفسه لا يكون تبعا لأبويه وإذا كان مسلمًا تبعًا لا يكون مسلما بإسلام نفسه فلا يكون بينهما منافاة.

ولأن الجمع بين معنى التبعية والأصالة؛ إنما لا يجوز إذا كان بينهما مضادة فأما إذا تأيد أحدهما بالآخر فذلك يستقيم، كما في المرأة تسافر مع زوجها ونوت السفر؛ فهي مسافرة بنيتها مقصودة وتبع لزوجها أيضًا، كذا في المبسوط (١).


(١) انظر: المبسوط للسَّرَخْسِي (١٠/ ١٢٠)، وتبيين الحقائق للفخر الزيلعي (٣/ ٢٩٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>