للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ (١) النفقة التي كان ينفق عَلَيْهِ وَقَالَ: لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا) (٢).

هذا الموقف يكشف عن نفس شفافة، سرعان ما تنفضُ عنها سموم الأوزار فلا تحمل الحقد والضغينة لأحد، ما أروع القلوب إذا نُزعت منها حوائب الصدر، وبرئت من سخائم البغضاء، هكذا هو قلب هذا الرجل الكريم، وتعامله بمن تكلّم على ابنته ونقل تلك الفرية الآدّة، فخاض مع من خاضوا في حديث الإفك. ولكنّ طلاّب الكمال، وأهل المروءة دائماً ما يتحصّنون بمثُلهم العُليا، فإذا كان الأمر يؤول إلى نيل محبة الله ورسوله جعلوا عوالق الدنيا وكوابدها كالعصف المأكول تحت الأقدام. فيعود أبو بكر بنفس راضية إلى وصل مسطح رغبة فيما عند الله و قهراً للنفس، وترغيماً للشيطان.

ولعلي هنا أوجز بعض الجوانب التي تبين أبعاد القبول و مظاهره في شخصية الصديق رضي


(١) وكان مِسْطَح بن أثاثة بْن عباد بن عبد المطلب بْن عَبْد مناف كنيته أَبُو عباد، وهو ابن خالة أبي بكر الصديق شهد بَدْرًا توفّي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَهُوَ بن سِتّ وَخمسين سنة ومن المهاجرين والمجاهدين مع رسول ، وكان ممن سعى بالإفك فأقام رسول الله الحد عليه وجلده. ينظر الثقات لابن حبان (٣/ ٣٨٣)، والطبقات الكبرى لابن سعد (٣/ ٥٣).
(٢) أسباب النزول للواحدي ص: ٣٣٢، والحديث جزء من حديث طويل رواه البخاري في صحيحه، (٥/ ١١٦/ ح ٤١٤١).

<<  <   >  >>