للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكان رجلًا قد باض الحمق في رأسه وفرَّخ، وبقي الملك الأشرف كلما نفخ … فيه، انتفخ، وصارت الأمراء وأرباب تقاوم الألوف تأتي إليه، وتقف بين يديه، ولا يقول لأحد منهم: أقعد، حتى يطول مكثه في القيام، ولا يدعو أكثرهم إلا بالأسماء دون اللقب، حتى كان يقول لللاجين يا حسام الدين، وللشجاعي: يا علم، وللدواداري: يا سنجر، ومن هذا ومثله. فامتلأت الصدور عليه وعلى الملك الأشرف بسببه، حتى صار الأمر إلى ما صار وآل إلى ما آل.

حدثني عمي الصاحب شرف الدين أبو محمد وقد جرى ذكر حمق ابن السلعوس وترفعه، قال: كان الرجل في رأسه حمق، وزاده الملك الأشرف، وكان عاميًا فطاش وطار، ثم شرع يحدث، قال: كنت في الخدمة الأشرفية بالنيل، وقد نصبت خيمة السلطان على العين، فمر بي كرت أمير أخو أحد مقدمي الألوف فسلم علي فقمت له، ورددت عليه السلام، فرآني الملك الأشرف فطلبني، فلما جئت إليه، أنكر عليّ، فقال: هاها تقوم لكرت، وتمشي له، وتخضع له، ومن هو كرت حتى تعمل هذا معه وأنت لساني ويدي وأذني وعيني والله لولا أنك شيخ كبير، لقطعت رأسك، وإن عدت إلى مثلها قطعت رأسك، فخرجت وأنا لا أعي مما أراد أن يحملني عليه، ثم كنت إذا مر بي أحد تغافلت عنه ما أمكنني،، فإن لم أجد بدًا أشرت إليه بتقبيل اليد، أو أكثر من هذا على قدر مراتبهم، ولا أقدر أقوم خوفًا أنه يراني، فاذا كنت حيث آمن أنه لا يراني، قمت وخدمته بما يناسب، فلم يتوغر على صدر.

ثم قال: وإذا كان هذا قبول الملك الأشرف لي وما أنا وزيره المتصرف ولا لي عليه خدمة سابقة، فكيف كان يقول لابن السلعوس: ما حمل، انتهى كلامه.

قلت: وعلى الجملة فقد أحسن إلى أصحابه الدماشقة، وكان يتلقاهم بالرحب والسعة، ويقضي حوائجهم ويحسن إليهم، وكان كامل الأمور محبًا للرئاسة إلا أنه أفرط حمق العامية، ولم يقع في أيامه أقبح من واقعة ابن بنت الأعز القاضي والحمالة عليه، ونكبته له، وكانت بإغراء المصريين له عليه، ولم يكن فيه أقبح من أنه كان تياهًا متكبرًا، كثير الخيلاء، معجبًا بنفسه، معتزًا بسلطانه.

وحدثني شيخنا أبو الثناء محمود الكاتب قال: رأيت ابن السلعوس وقد جاءه قضاة القضاة إلى باب داره بدمشق - وفيهم من خلع عليه في يوم الجمعة - فجلسوا في انتظاره، ليخرج فطال مكثه إلى أن حانت الصلاة، فخرج واستأذنه حاجبه عليهم، فقال: قد ضاق الوقت فليأتوا بعد الصلاة، وركب الدواداري، ومشوا في ركابه حتى أتى باب البريد فنزل ومشى وهم قدامه حتى صلى، ثم خرج، وهم قدامه، حتى ركب، فمشوا معه حتى باب داره، فنزل، ثم أتاه حاجبه، وأستأذنه عليهم، فأذن لهم، فأتوه وقبلوا يده، وأنا أراه.

<<  <  ج: ص:  >  >>