للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[[البرامكة]]

ومنهم البرامكة، وكانوا البحور الزواخر، والغيوث السواكب، والجناب المخصب، والربيع الممرع، والجبال الشواهق، والنجوم اللوامع، والبدور الكوامل.

وكانوا أمة كرم، وملة فضل، وكعبة جود، وقبلة أمل، ومحل قصد، ومحط وفد، وصفاء صفا، ومروة مروءة، وركز لائذ، ومقام عائذ، لم يقدمهم مثلهم، ولا الأيام تظفر بنظيرهم. وقد قال ابن سعيد - وهو المتعصب للمغاربة: فأما إذا ما افتخر أهل المشرق بالبرامكة مددنا لهم الأعناق خضوعًا، وأغضينا العيون حياء، وسلّمنا إليهم وقلنا: هذا ما لا يدفع.

قلت: ولم يكن منهم صغير ولا كبير ولا خفيّ ولا سمير إلا وهو يتسامى إلى الغايات ولا يقنع إلا بالنهايات حتى قيل فيهم: [من الوافر]

إذا ما البرمكي أناف عشرًا … فهمَّتُه وزير أو أمير

وكانوا يتنافسون في الصنائع، ويتهافتون على المعروف، ويتقاسمون على العفاة/ ١٤/، ويتساهمون على الوقود، ويتسابقون الآمال، ويبادرون السؤال، ويواثبون البحر، ويطاولون السحاب، ولا يقبض لهم ندى، ولا يجف لهم جود، ولا يذوى لهم معروف، ولا يهوى لهم معلم، ولا يبلى لهم ثوب صنيع. اغتنموا للناس هبوب ريحهم - وانتهزوا لهم فرصة إمكاناتهم، وتتبعوا بمعروفهم خلل الإخوان وداووا بوجوههم سقم الزمان، لا يقنعون لمن أملهم بالقليل، ولا يرضون له باليسير، يبسطون أيديهم بالعطاء، ويتوسطون له إلى الخلفاء.

وحكي أن بعض الوزراء رأى في يد جليس له كتابًا فيه أخبار البرامكة فقال له: أقرأ علي ما في هذا الكتاب فقال له: أخبار البرامكة، فقرأ أنباء من مكارمهم، فقال له الوزير: هذا مما كَذَبَه الوراقون فقال له الرجل: فهلًا كذبوا عليكم؟! فخجل الوزير واستحيا. ولم يكن منهم إلا من يجمع المكارم، ويدبّ له البرق خجلًا من وجوه الغمائم، وكانوا كما قال فيهم ابن مناذر:

[من الطويل]

أَتَانَا بَنُو الأَمْلاكِ مِنْ آلِ بَرْمَكِ … فَيَا طِيبَ أَخْبَارٍ وَيَا حُسْنَ مَنْظَرِ

<<  <  ج: ص:  >  >>