فعلمت أنها مرافعة، وخفت أن لا يكون لي فيها تعلق، فإنني قد كنت شاركت عمرًا في أشياء كثيرة أخذتها أنا وإيَّاه. قال: فأتيت عمرًا، فوجدته يلعب بالشطرنج، فعرفته إنني أحتاج إلى الخلوة، فقال: دعني حتى أفرغ من هذا الدست، فضاق صدري، وقلبت الشطرنج، وقلت: قد سال بنا السيل وأهلكنا وأنت تلعب، ثم أقرأته الكتاب، فضحك، وقال: ويحك ما تستحي أن تخدم رجلًا هذه المدة، ولا تعرف خلقه؟، فقلت: يا هذا، كيف يقدر يجحد؟، ولو جحدت كل شيء ما يقدر يجحد كذا وكذا، وأنا قد شاركتك فيه، فأما أنت، فمهما شئت فقل، وأما أنا فوالله لا أجحد، وأصبر لأمر الله ﷿ فقال لي: أفتريد أن أطلعك على أشدّ من هذا؟، قلت: وما هو؟، قال: كتاب دفعه إليَّ المأمون منذ سنة، وأمرني فيه بمثل ما أمرك في هذا الكتاب، فعرفت ضيق عَطَنِكَ مما قلت لك عنه، فكدت أموتُ، ثم سألته أن يوقفني على ذلك الكتاب، فأحضره فقرأته، وأنا أنتفض، وهو يضحك، وكان الذي علينا فيها سبع وستون ألف ألف درهم، عليه هو أربعون ألف ألف درهم، وعلي سبعة وعشرون ألف ألف درهم فقلت له: قتلتني والله، وقتلت نفسك، أتظنُّ أنَّ المأمون يدع لنا هذا المال؟ أما أنا فأحتسب نفسي عند الله، وأما أنت فاكتب الجواب. فكتب: لو قصرت بنا هممنا عن هذا المقدار وأضعافه لوسعتنا منازلنا، وما بقي هذا بدلجة في برد أو بهجير في حر يطيل الله بقاء أمير المؤمنين، ونلقى ما نؤمله به، وعلى يده. ثم قال لي: يا هذا، إنَّ صاحبنا ليس ببخيل، ولكنه رجل يكره أن يعين معروفه، فأراد أن يعلمنا أنه قد علم بما صار إلينا، وسامحنا به على علم منه.
ثم إنه ختم الكتاب بخاتمه، فأخذته، وانصرفت، وأنا في الموت. وبقيت سنة كاملة قلقًا مهمومًا مغمومًا لا أكاد أكل، ولا أشرب حتى بان علي الضعف فرآني المأمون، فقال: مال لك هكذا؟ فقلت: من الكتاب الذي دفعه إليَّ أمير المؤمنين، فقال: أمسك عليك حتى أعيد ما جرى بينكما فيه. ثم قص الحديث حتى كأنه حاضره، فقلت: هكذا كان والله يا أمير المؤمنين، ولقد استقضى لك الذي وكلته بخبرنا، فقال: والله ما قال لي هذا أحد ولكنني ظننته، وعمرو أعلم بنا منك. فدعوت له، وقلت فما أصنع يا أمير المؤمنين؟، قال: حرقه في لعنة الله، وامض آمنًا مصحوبًا في ستر الله.
[[٢٤] المعلى بن أيوب]
وكان قليل العيوب، جليل الأسلوب، لا يعدل أحد وزنه الراجح، ولا يفصل سعته الناجح.