ثم كان هو القائم ببيعة الأمين، وتدبيره، وسدَّ خلله، وترقيع أموره، وهو الذي أخذ له البيعة لما مات الرشيد بطوس، وأتاه أبو نواس، فأنشده هذه [الأبيات]: [من الطويل]
تَعَزَّ أبا العباس عَنْ خير هالِكِ … وَأَكْرِمِ مَيْتٍ كَانَ أَوْ هو كَائِنُ
وفي الحَيِّ بالمَيْتِ الذي غُيِّبَ الثَّرَى … فَلَا أَنْتَ مَغْبُونٌ وَلَا الدَّهْرُ غَابِنُ
ولم يكن عند الأمير إلا حاجبًا، ولكنه قام بكل الأمور، وتحدث في سائر الملك.
وكان لأبي نواس إليه ميل، وفيه يقول: [من البسيط]
لَقَدْ نزلت أبا العباس منزلةً … ما إِنْ تَرَى خَلفَها الأبصارُ مُطَّرَحَا
وَكَلْتَ بالدهرِ عَيْنَا غَيْرَ غافلةٍ … مِنْ جُودِ كَفَّكَ فَأَسُ كُلَ مَا جَرَحَا
وفيه يقول ويذكر تمكنه من الأمين: [من الطويل]
لَعَمْرُكَ ما غاب الأمينُ مُحَمَّدٌ … عن الأمرِ يُغْنِيهِ إِذا شهدَ الفَضْلُ
ولولا مواريث النبوةِ إنَّها … لها دونَهُ ما كَانَ بَيْنَهُمَا فَضْلُ
ولهذا نقم المأمون عليه، ثم صلح أمره معه فيما بعد.
وقد أكثر القراطيسي هجاءه، فمما قاله فيه: [من الهزج]
لئِنْ أخطأت في مدْحِـ … ــكَ مَا أخطأتُ في مَعْنَى
لقد أحلَلْتُ حاجاتي … بواد غر ذي زَرْعٍ (١)
* * *
ومنهم دولة السهيليين.:
فمنهم:
[١٨] الفضل بن سهل ذو الرئاستين (٢)
وزير المأمون، والقائم بأمره حتى استخلف، وثبتت قواعد ملكه، وكان له مثل
(١) كذا ورد في الأصل.
(٢) الفضل بن سهل السرخسي، أبو العباس: وزير المأمون وصاحب تدبيره. اتصل به في صباه وأسلم على يده سنة ١٩٠ هـ، وكان مجوسيًا. وصحبه قبل أن يلي الخلافة، فلما وليها جعل له =