من جهة الإرهاق، ولي ذمام المودة الصادقة التي تتبعها كل حرمة، وحق الشكر الذي جعله الله رفيًا بالنعم. وأنت فمعدن المعالي وبقية الكرم، فأي سبيل للغدر؟ أم أي موضع للأكف بين حرمتي وعنايتك، ودمائي وكرمك.
ومنها: كتابي إليك كتاب واثق بمن كتبت إليه معين بمن كتبت له، ولن يضيع بين الثقة والعناية حامله.
ووعد عمرو بن مسعدة ماني الموسوس شيئًا، فطلبه فجاءه ماني فوقف بين يديه وأنشد يقول (١): [من البسيط]
هذا ابن عمرو يعيد الله كَنَّتَهُ … والجدُّ مسعدة إيهًا له إيها
لا عيب بالمرء إلا أنَّ زوجَتَهُ … غَضْبَى عليه لشيء ليس يُرضِيهَا
بِوِدِّها أنَّما يجْرِي بفَقْحَتِه … مِنَ المَني وإن لم يكفها فيها
ولما سمع ذلك ابن مسعدة من ماني، قال: صدق والله إيهًا لعمرو إيهًا.
وكانت بينه وبين إبراهيم بن العباس الصولي مدَّة مودة صحبا بها وما بينهما على أحسن حال، فحصل لإبراهيم ضيق يد لبطالة طالت، فبعث له عمرو مائة ألف، فكتب إليه إبراهيم: [من الطويل]
سَأَشْكُرُ عَمْرًا مَا تَرَاخَتْ مَنِيَّتِي … أَيَادِيَ لَمْ تَمْنَنْ وَإِنْ هِيَ جَلَّتِ
فَتًى غَيْرُ مَحْجُوبِ الغِنَى عن صَدِيقِهِ … وَلا مُظْهِرُ الشَّكْوَى إِذا النَّعْلُ زَلَّتِ
رَأَى خَلَّتِي مِنْ حَيثُ يَخْفَى مَكَانُهَا … فكانتْ قَذَى عَيْنَيْهِ حَتَّى تَجَلَّتِ (٢)
وذكر ميمون بن هارون أن عمرو بن مسعدة خلف ثمانية عشر ألف ألف درهم سوى الأمتعة والكراع والعقار، وبنى قصرًا، أنفق عليه أربعة وعشرين ألف ألف درهم.
[٢١] أحمد بن يوسف بن القاسم بن صبيح (٣)
الكاتب في دولة المأمون والصاحب الذي لا تحد به الظنون. وكان المأمون
(١) أخل بها شعره.
(٢) وفيات الأعيان ٣/ ٤٧٨.
(٣) أحمد بن يوسف بن القاسم بن صبيح العجلي بالولاء، المعروف بالكاتب: وزير من كبار الكتاب من أهل الكوفة. ولي ديوان الرسائل للمأمون، واستوزره بعد أحمد بن أبي خالد الأحول، وتوفي ببغداد سنة ٢١٣ هـ/ ٨٢٨ م. وكان فصيحًا، قوي البديهة، يقول الشعر الجيد، له «رسائل» مدونة. =