للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومشام، وما أشبه ذلك، وعرض غيرهم هداياهم، فقال الرشيد للفضل بن الربيع: أين هديتك يا عباسي؟ - وبذلك كان يدعوه - فقال: أحضرها يا أمير المؤمنين! ثم قال للفراشين: احملوها، فحملوها … راع الرشيد لما رآه، وكشفوا عن التابوت، فاستحسنه، ثم أحضر الغلامان، ففتح أحدهما القفل وأخرج الموازين والصبحات، وأخرج الآخر البدرة وفتح بدرة ووزنها، وشرع الآخر ينقد، فلم يدر الرشيد ما يستحسن واستطار فرحًا، وأمر بحمل المال، وإدخال الغلامين إلى دار النساء، ليفرقا المال على ما يأمرهما به، ثم قال للفضل: ويلك يا عباسي من أين لك هذا؟ قال: ستعرفه يا أمير المؤمنين فقال: لتقولن، فقال: بعتُ حقي من قطيعة الربيع لأشتري ما رأيتك قد فصدت وأنت مغموم، فقال: والله لأسرنَّكَ، فقام فدخل إلى دار النساء، وانصرف جعفر يجر رجليه.

وحكي عن الفضل بن الربيع أنَّه قال: صرتُ إلى يحيى بن خالد، فسألته حاجة فتعذر علي فيها، فقمت وقلت: [من الطويل]

متى وعَسَى يَثْنِي الزَّمَانُ عنانَه … بتصريف حالِ والزَّمانُ عَشُورُ

نُقَضِّي لبانات وتشفى حسائك … وتحدث من بعدِ الأُمُورِ أُمُورُ

قال: فقال يحيى: نعم يحدث الله من بعد الأمور أمورًا، أقسمت عليك لترجع، وهذه الحاجة علي في مالي إلى أن أكلم الخليفة، فما بت حتى وافتني (١).

ثم أخذ الفضل بن الربيع في السعي على البرامكة، فلما آل أمرهم إلى ما آل، كان الفضل بن الربيع ممقوتًا من الرشيد، وسائر الناس.

وحضر يومًا بعد نكبة البرامكة جنازة أم حمدونة بن علي فذكر البرامكة فأطارهم، ووصفهم، ثم قال: كنا نعتب عليهم، فقد صرنا نتمناهم، ثم أنشد متمثلًا: [من الطويل]

عَتَبْتُ على سَلْمِ فَلَمَّا فقدْتُهُ … وَجَرَّبْتُ أَقْوَامًَا بَكَيْتُ عَلَى سَلْمِ (٢)

وكان الفضل بن الربيع رجلًا سمحًا كريمًا، إلا أنه كره لواقعة البرامكة، ولم يسلّم إليه الرشيد خاتمة، ولا سلّمه إلى أحد غير البرامكة، بل كانت الكتب تحضر إلى بين يديه، ويختمها هو بيده.

وكان الفضل بن الربيع محافظًا على خدمة الرشيد وحضرته، لا يبالي ما سوى ذلك، فضاع ما وراء بابه، واختلت الأمور.


(١) الوزراء ٢٤٩ - ٢٥١.
(٢) الوزراء ٢٦٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>