وفوّض إليه بالشام أمر الوزارة حتى استقال، وقفل إلى أمرة بقي عليها حتى مات بلا انتقال.
وكان كريمًا، رهوبًا، عالي الهمة، بعيد العزمة. صحب العرب، وأهل البادية، وتخلق بأخلاقهم الكرام، وسجاياهم في حبّ كرائم الخيل والإبل، وانتخاب الهجان المحمودة، واشترى صوافن الخيل بجليل المال. واسوقد منها أحاسن الجياد، وجعل عليها رسمًا يقوده إلى الأبواب السلطانية في كل، وولي كبار الوظائف بدمشق: الحسبة، ونظر الخزانة، ثم الوزارة - كما تقدَّم - ثم قلق لكلفة الملازمة والمباشرة بالنفس والدأب في التحصيل والإنفاق، وضاق عطفه بهذا ومثله، وثقلت عليه، وفقه قراسنقر الجوكنداري المنصوري، وكان إذا ذاك في نيابة الشام، وطلب دستورًا من السلطان، فأعطي، فتوجه يقوده إلى الحضرة، وسأل السلطان في الإعفاء، وأخرج خطًا كان السلطان كتب بله بالكرك مضمونه الوعد بالأمرة. فأعطى أمرة عشرة كبيرة تقوم بالطبلخاناه، ثم نقل عن الاقطاع إلى غيره، ثم أعيد، وجرت له أمور من حسد الأمراء الترك له على كبر الإقطاع، وكثرة متحصله.
وكان يميل إلى الشرب، مغرى بحب الغلمان، لم يزل متنقلًا ما بين دمشق وبصرى وجهات إقطاعه، وبأقرب من البوادي حتى جاءه أجله.
ومنهم:
[٨١] الصاحب عز الدين أبو يعلى حمزة بن أسعد بن المظفر بن التميمي بن القلانسي (١)
من بيت الرئاسة القديمة، والسياسة القويمة، والأصالة في تميم، والجلالة من منبت النسب الصميم. كانت آباؤه بعد بني الصقافي، رؤساء دمشق وكبراء أهلها في دفع ما شق. ولابن القيسراني الشاعر في بعضهم مدائح ذكرهما، وهي في مواضع سكنهم، وموطئ موطنهم.
وكانت الملوك بدمشق إذا احتاجوا في حروب الفرنج وافاتهم، وأخذ ما لا بد
(١) حمزة بن أسعد بن مظفر بن أسعد بن حمزة التميمي الدمشقي، الصاحب عز الدين أبو يعلى ابن القلانسي: رئيس الشام في عصره. ولد بدمشق سنة ٦٤٩ هـ/ ١٢٥١ م وتوفي فيها سنة ٧٢٩ هـ/ ١٣٢٩ م. ولي وكالة السلطان والوزارة بها، وأنشأ دار الحديث القلانسية، وإليه نسبتها. وأعرض عن المناصب تنزهًا. وصودر. ترجمته في: التذكرة الكمالية - خ، والقلائد الجوهرية ٨٥، والدرر الكامنة ٢/ ٧٥، والدارس ١/ ٩٦، الأعلام ٢/ ٢٧٧.