وحكى ابن النجار، قال: لما خرج الوزير ابن صدقة من محبسه إلى الدار المعروفة بالزينبي، استأذن في الدخول أولاده وخواص أصحابه، قال: فدخلنا عليه، وسألناه عن حاله، فقال: لما حُملت إلى دار السياطة، جاءني خادم معه للمسترشد مكتوب الخليفة بإطابة قلبي، وأني ما نقلت إلى دار إلا … وحفظًا بمهجتي، وأحضرني دواة ودرجًا، لأستدعي ما أحتاج إليه، فسألت إنفاذ مصحف، ومصلى، وشي من المجاميع، فجاءني خادمان بذلك، فمددت يدي إلى أخذ المجلدات، فإذا هو بخط أبي عبد الله بن مقلة، وعلى ظهره مكتوب لأخي أبي علي: [من الوافر]
أُفَكِّرُ في الَّذي أَلْقَى وَصَبْرِي … فَأَحْمَدُ هِمَّتِي وَأَلُومُ دَهْرِي
وَمَا قَصَّرْتُ في حالي وَلَكِنْ … لِرَبِّ النَّاسِ أَمْرٌ فَوقَ أَمْرِي
فعجب من الاتفاق.
ثم أخذ مجلدًا آخر فإذا على ظهره مكتوب بخط المستظهر: [من الرجز]
مَا هُوَ إلا اللهَ فَارْفَعْ طَرْفَكَا
يَكْفِيكَ رَبُّ النَّاس ما أهَمَّكَا
فأعجبني، وسكنت إلى الفأل، وأيقنت بالخلاص، وكان الخليفة قصد إنفاذ هذه الكتب، ولم أعرف إن كان قصدها، فسألته: إن حسن … وإن كان اتفاقًا فهو أحسن.
ولوى ابن الإقفاصي قبره فلثمه وانشد: [من الطويل]
يَزُورُكَ فِي نوى خشوع وذلَّة … كَأَنَّكَ تُرْجَى فِي الشَّرِيحِ وَتَرْهَبُ
وترى بما قد كتبت مُمْتَدِحًا بِهِ … فَيُحْزِنُنَا مِنْكَ الذي كان يطرب ومنهم:
[٥١] أنو شروان بن خالد شرف الدين (١)
وزير كان لا يعبأ بمنصبه على أنه كان خليل ولا يرفع على مخصبه، ومرآه جميل، وكان له ببديع الأدب اعتناء، ومن فروع الطلب اجتناء، حتى كان ناديه لا يزال
(١) أنوشروان بن خالد بن محمد الوزير أبو نصر القاشاني، القيني، وقين: من قرى قاشان.
وزير الدولتين جميعًا للخليفة المسترشد، وللسلطان محمود بن محمد.
قال ابن السمعاني: كان قد جمع الله فيه الفضل الوافر، والعقل الكامل والتواضع، والخيرية، ورعاية الحقوق. أدركته ببغداد وقد كبر وأسن وتضعضع، وأقعده العجز في داره بالحريم =