للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكان الوزير لما سار من عند يونس، لقي إنسانًا أنكره، فأخذه فرأى معه كتابًا من دبيس إلى يونس يبذل له ستة آلاف دينار، ليسلم الوزير إليه، فكان خلاصه من أعجب الأشياء.

ثم إن السلطان نقم على وزيره شمس الملك بن نظام الملك وقتله، وكان قريبه الشهاب أبو المحاسن وزير السلطان سنجر قد مات بعزل المسترشد نظام الدين أحمد. وعاد ابن صدقة إلى وزارته، وأحلَّه في دست صدارته في سنة سبع عشرة وخمسمائة.

وتوفي مستهل رجب سنة ثلاث وعشرين، وكان حميد الطريقة، متواضعًا، محبًا لأهل العلم، مكرمًا لهم، وله شعر متوسط.

ولما مات استنيب ابن طراد الزينبي في الوزارة، وخلع عليه، ولما طالب بظالم ابن صدقة، كتب إلى المسترشد: [من الطويل]

بِقَسْمِ امرِئٍ فيكَ كيفَ نَسِيْتَنِي … وأنتَ … رعي الحقوق حقيق

وما ذاك إلا أن شِيْمَتَكَ العُلا … وليس لها يومًا إلي طريق

فلما وقف عليها، وصله بمال، ووعد بظهور الإنعام عليه.

ثم خلع المسترشد حين عاد من جهة دبيس، وكان قد هرب إليه، فلما دخل عليه أنشده: [من الطويل]

بَدَأْتَ بِنُعْمَى ثُمَّ وَالَيْتَ فِعْلَها … وواصَلْتَهَا في حالةِ البُعدِ والقُرْبِ

ولم تُخْلِنِي مِنْ حُسْنِ رَأيِكَ إِذْ سَطَا … بي الدهر واسودتْ لَهُ أَوْجَهُ الخَطْبِ

فأقْرَرْتَ عين الأولياء بأوْبَتي … وأَرْغَمْتَ أعْدائِي وأوطأتَهُم عَقْبِي

فلما وصل دبيس مع الملك طغرل من مصر، خرج المسترشد لدفعهم، وأقام ابن صدقة في العسكر مقابل شهربان إلى أن تفرق العسكر عن دبيس، وانفصل عن الملك، وأتى الحريان دبيسًا، وصل إلى حلوان مصعدًا فكتب ابن صدقة إلى المسترشد: [من البسيط]

ولي وقد ألجَمَ الخطّيُّ منطقه … بسكْنَةٍ تَحْتَهَا الأحشاءُ فِي صَخَبِ

مُوَكَّلًا ببقاع الأرضِ يشرفها … مِنْ خِفَّةِ الخَوفِ لَا مِنْ خِفَّةِ الطَّرَبِ

أصله المملوك هذه الخدمة من مقابل شهرايان، وقد لاذ العدو بأكناف حلوان مستعدًا سلامته، مستر خصًا مهجته يقول لمن غرَّه، بجلائه، وجمعه بإفكه وكذابه: ﴿وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُم مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُمْ﴾ (١).


(١) سورة إبراهيم: الآية ٢٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>