وجدت الدول منه توبة نصوحى، وأوبة صادفت منه كافيًا نصيحًا، رقي من رتبها العالية صفحا، وتخلق بسجايا كرم لم يزل بها صفوحًا. أفضل بالمنصور قلاوون زمان الإمرة، وخدمه خدمة انفق بها في عنفوان الشباب عمره، وكان يشتري ماء الرقيق ما أضحت مماليكه ملوكًا، وأفراده سلوكًا، فلما وطيء الملك المنصور بقدمه السرير، ورضي لديه السفير، وكان التقى ثوبه قد صار تبعًا للسلطان، ومتبعًا لبحار الترك تتدفق في بعد الأوطان إلى غيرهما كان يبتاعه من أنواع المباع للخزانة العالية، ويملأ صدرها بماء الوراء وقارون ماله الأرتاع مما آل به حال هذا الحال إلى التمنع بطمرها، والتنزه في نظرها، فلما انبسطت يد السلطان بعد سنقر الأشقر بالشام حين نزل عن سلطانها، وذيد عن استيطانها، وتسلم الكرك من بقية البيت الظاهري، وصارت عقليتها في ملكه، وفريدتها في سلكه، ولم يبق إلا أن يسيل من الحضيض أولياؤه، ويفيض علي أهل السابقة آلاؤه، ألقى إليه مقاليد الوزارة بدمشق وسائر بلاد الشام، وحكمه فيها حكمًا إليه مقاليد الوزارة، وكان لا يزال يراجعها ولا يقر لها قرارًا إلا حيث يضاجعها.
(١) توبة بن علي بن مهاجر بن شجاع بن توبة، الصاحب الكبير، تقي الدين، أبو البقاء الربعي، التكريتي، المعروف بالبيع. ولد يوم عرفة بعرفة ٦٢٠ هـ، وتعانى التجارة والسفر. وكان يعرف السلطان في حال إمرته ويعامله ويخدمه وولي البياعة وتنقلت به الأحوال. ثم لما تسلطن مخدومه الملك المنصور ولاه وزارة الشام مدة، ثم عزله، ثم ولي وصودر غير مرّة، ثم يسلّمه الله. وكان مع ظلمه فيه مروءة، وحسن إسلام، وتقرب إلى أهل الخير، وعدم خُبث. وله همة عالية، ونفْسٌ أبية، وفيه سماحة وكرم وبسط، وحسن أخلاق، ومزاح، وعدم جبروت. وكان يقتني الخيل المسومة، ويبتني الدور الحسنة، ويشتري المماليك الملاح. وقد عمر لنفسه تُربة كبيرة تصلح للملك، وبها دفن، وصلوا عليه بسوق الخيل، وحضره ملك الأمراء والقضاة والكبراء في ثامن ذي الحجة سنة ٦٩٨ هـ. ترجمته في: أعيان العصر ٢/ ١٣٩ - ١٤٢ رقم ٥٢٤، والمقتفي ١/ ورقة ٢٨٢ ب، وتالي كتاب وفيات الأعيان ٦٠ رقم ٩٠، ونهاية الأرب ٣١ ٣٨٠، وتاريخ حوادث الزمان ١/ ٤٥١ - ٤٥٢ رقم ٢٥٧، والعبر ٥/ ٣٨٧، والإشارة إلى وفيات الأعيان ٣٨٤، والبداية والنهاية ١٤/ ٥، والوافي بالوفيات ١٠/ ٤٣٨ رقم ٤٩٣٠، وفوات الوفيات ١/ ٢٦١ رقم ٩٠، وعيون التواريخ ٢٣/ ٢٧٨، وتذكرة النبيه ١/ ٢١٧، ودرة الأسلاك ١/ ورقة ١٤٥، والسلوك ج ١ ق ٣/ ٨٨١، وعقد الجمان (٣) ٤٧٥ - ٤٧٦، والنجوم الزاهرة ٨/ ١٨٥، والمنهل الصافي ٤/ ١٧٩ رقم ٨٠٢، والدليل الشافي ١/ ٢٢٩ رقم ٨٠٠، وشذرات الذهب ٥/ ٤٥١، والإعلام بوفيات الأعلام ٢٩٢، والمقفّى الكبير ٢/ ٦٢٢ رقم ١٠٣٦، وذيل مرآة الزمان ٤/ ورقة ٢٩٩، تاريخ الإسلام (السنوات ٦٩١ - ٧٠٠ هـ) ص ٣٤٨ رقم ٥١٣.