وكان واسع النفس وافر الكرم كثير التحمل مليح الهيأة، حسن الشكالة، أصله من بلاد تكريت، وقدم البلاد كثيرًا، وتوصل حتى بلغ المبلغ فولي الوزارة في العشرين من ربيع الأول سنة خمس وثمانين وستمائة، وكتب عن المنصور قلاوون تقليد مؤرخ التاريخ المذكور، وكتب له المجلس السامي الصحابي الوزيري التولية.
وهو أول من كتب له بالياء من وزراء الشام والتقت ليد من إنشاء محيي الدين ابن عبد الظاهر، وأوله «الحمد لله مصطفي من كان نقيًا، ومعلي درجه من رفع إلى هضب العلياء، فأحسن لها رقيا، الذي يقبل التوبة عن عباده، ويقبل عن من قربه جميل ارتياده».
ومنه خرج الأمر العالي المولوي السلطاني الملكي المنصوري السيفي أن يفوض إليه الوزارة الشريفة المنيفة بدمشق المحروسة، وما معها من الممالك الشامية، ولما معها من مصافات، وأعمال وولايات ذوات دواوين وعمال، وما بها ولها من وجوه مقاليد ومتحصلات أموال، ولتجري في العزل والتولية والتعطيل، والتخلية في العقد والحل، قال: كل منهم دق أرجل وفي الإمضاء والتوقف وفي المنع والتصرف، وفي المصالح جميعها، وأصولها وفروعها على حكم ما استقرت الحال عليه لمن كان قبله مباشرًا.
وفي هذا المنصب قبل مؤازرته، وقد علم أن المجلس العالي الأميري السامي لاجين المنصوري كفيل السلطنة المعظمة بالمماليك الشامية - حرس الله عزائمه - هو من الأعمال الشامية، وممالكها، وثغورها روح جسدها، ونظيرها يدها، وهو القائم مقامنا في تدبير أمورها، وسداد ثغورها فليستصحب معه من الاتفاق ما يشكر على استصحابه، ولا يحاول إلا معه، ولا يجاوب إلا به.
قلت: وكتب له في الأيام المنصورية الحسامية لاجين تقليدًا من إنشاء شيخنا القاضي شهاب الدين ﵀ فمنه: وبعد فإن أولى من دعا ليجدد تقليده بما تحسد الذراري مطالع سعوده، والدر بجامع عقوده، وتعرف بالطاعة.
ولما كان المجلس العالي الصاحبي الوزيري، وبقية الألقاب ما برح يثمر الأموال من معادنها عبرته، ويظهر المصالح من مكامنها بما جبله الله عليه من فطنته فطرته، ويصونها بإشفاقه، ويحررها بحسن الضبط من فيض المال وإنفاقه، واقتضت آراؤنا الشريفة أن نجعل إحضاره إلى أبوابنا الشريفة مقرونًا ببلوغ المآرب، وإدراك المطالب، وتجديد السعود التي هي أجمل ما وفد عليه الوالد منقلبًا به إلى أهله … فينتحل هذه الرتب آمنت بمجده من العطل، ويحل هذه الهضبة التي لا يثبت على المحافظة عليها إلا كل بطل، وهو ذاك البطل، وكان فيه ستر على الكتاب وأرباب الديوان، ويعطيهم بديل الإعطاء، وقد بدت له مساوؤهم، ويعفو عن زلاتهم.