للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مدد لم تضع فيها الحرب أوزارها، ولا أطفأت السيوف أوارها، ولا باتت فيها خيل تعثر على مرابط، ولا ليل ليس فيه لسرى الغارات خابط عدد سنين شيبت الأطفال، وسبيت بالأجفال، وقطعت الأطراف، وهتمت الثغور، وأغلقت المعاقل، وأخافت الرعايا، وأنابت على الوجل، وبتَّتْ حبال الأمل، دعته إليها نية صالحة، وسريرة صحيحة وهمة قادرة، وحزمة حاضرة، وفكرة في عواقب الأمور ناظرة، وبذل فيها ذخائر الأموال، ونفائس الجواهر، وسعى لها سعيها، وبذل لها فوق الجهد حتى استمر مريرها، واستقر لا بغير تقديرها، فهذا الوساد وهد ولله الحمد الفساد.

حكى لي الخواجا الكبير السفير مجد الدين إسماعيل السلامي، أن دمشق خواجا بن جوبان وهدنا في تلك الدولة … والأكابر كلهم منهما وأشرف الملوك من تقبل قدمهما، كان قد برأ منه من نزق الشبيبة ما فيه يبغض بالوزير علي شاه، فبلغ ذلك أباه جوبان - وحرمته في زمانه تقارب حرمة جنكز خان - فعظم عليه ما فعله دمشق خواجا ابنه، وضاق به ذرعًا لما عنده من عظيم حرمة الوزارة فأخذ ابنه، وركبا إلى رطاق الوزير، فخرج إليهما، وتلقاهما، فاحلف جوبان أنه لا يجلس إلا بين يديه، ثم أخذ يعتذر لابنه، ويسأله الصفح والعفو.

فلما انصرفا لام ابنه، وقال له: أنت مجنون بلا عقل ما تعرف المقادير؟ من نحن حتى نتجرأ على الوزير؟.

ومنهم:

[٧٥] محمد بن خواجا رشيد (١)

فقام بأمر السلطان، وأشبه الملك، فعوذ من الشيطان، وساس البلاد فعمر الأوطان، وأفاض الكرم حتى ضرب الناس بأعطان، بلغ ما لم يبلغه وزير، ولا يسوغه إلا من هو للمؤمنين أمير. قاد الجيوش وليس غير الرماح أسطان، ومد الأسباب وليس


(١) محمد ابن الوزير المشير رشيد الدين فضل الله بن أبي الخير بن علي الهمداني، وزير الممالك المشرقية، خواجه غياث الدين.
ولد هذا في الإسلام، ولما نكب والده وقُتل سلم هذا، واشتغل مدّة، وصحب أهل الخير. فلما توفي علي شاه الوزير طلب أبو سعيد هذا وفوض إليه الوزارة ومكنه ورد إليه مقاليد سائر الأمور، وحصل له من الارتقاء والمُلْك ما لم يبلغه وزير في هذه الأزمان، فكانت رتبته من نوع رتبة نظام الملك في وقته. =

<<  <  ج: ص:  >  >>