فأمّا من بعده من وزراء الدولة الجنكيز خانية، فنقول: إنَّ رتبة الوزارة لم تزل تتماسك ربعها إلى انقضاء دولة الخلافة.
ثم آخر ما حفظت هذه الرتبة العلية الشامية في ممالكه بيت هؤلاء طولي بن جنكيز خان، فإن الوزراء عندهم هم السلطان حقيقة، لا يشاور القان إلا في الأمور الكلية، وهو المصرّف في البلاد، والممالك كيف شاء: بولي ويعزل، ويسمن ويهزل.
فمنهم:
[٧١] شمس الدين، أبو المكارم، محمد بن محمد بن محمد الجويني (١)
وزير هولاكو الصاحب الوزير، وزير قام في زمن الغدر بالوفاء، وأحيا في أيام التتار سنة الخلفاء، أمسك بيد الثريا اعتلاقا، وحكى سميته الشمس انبلاقا، فانسكب جوده اندفاقا، وحسن به جوده اتفاقا، لم يزل يهب المواهب إرفاقا، ويبدد الأموال إنفاقا، ويصل دولة الاسلام حبًا، والتتار نفاقا، ووظف عليه الوظائف، وأورف مما لديه من الطرائف، ومدَّ ظلال النعم، واستجد الإحسان فوق ما ظن مكحوله. وزر لأبغا قا خان في أول تلك الدولة، وجمرتها تتلفّى، ومرتها تعلق بإسكان الرماح فتتشظى، في زمان كان السيف يقطر فيه دما، وكاد الوجود فيه يعد عدما، وملوك المغل تغلي مراجلهم حنقا، ويشغل حبائلهم حرقا، ودم الإسلام بعد ما جمع، وصوت الآذان إذ ذاك ما سمع، وأشلاء الخلافة مزقًا كقُزَع السحاب، وفرقًا بأيدي النهاب، فألان بتلطفه تلك القسوة، وصان بتعطفه تلك الأسوة، وزوج ابنه بنتًا من البيت العباسي، جمع بها نسائب تلك النساء، وسمع بها من صريح أول الآباء صريح النداء، فكأنما ردَّ ذاهب العصور، واستجد لبغداد دولة المنصور، وقطع على هدى يبدي زمانه، وهو جارٍ في طلقه، سار في أفقه والأيام لعنانه سلسة القياد، منبجسة الأيادي بأكثر مما حصل
(١) محمد بن محمد بن محمد، شمس الدين أبو المكارم الجُوِيني، الوزير الكبير. وزير الدولة التتارية والحاكم في المغول، نفذت أقلامه في الأقاليم، وله رسائل وأشعار. قتل بنواحي أبهر بعد أن كتب وصيته بيده في ٤ شعبان ٦٨٣ هـ. ترجمته في تاريخ الإسلام (السنوات ٦٨١ - ٦٩٠ هـ) ص ١٦٨ رقم ٢٠٧.