عشرين ألف دينار، فأرسل إليه الحافظ بها، وفرقها، وكثر الناس عليه بطلب زيادة، فأرسل إليه مثلها، ففرّقها وتفرق الناس عنه، وخفوا عنه، فإذا الصوت قد رفع، وخرج إليه جمع كثير من السودان جهزهم الحافظ عليه، فحملوا على غلمانه، فقاتلوهم، وقام، ليركب فقدم إليه بعض أصحابه قريبًا، فلما أراد ركوبه، ضرب رجل رأسه بالسيف، فقتله وحمل رأسه إلى الحافظ، فأرسله إلى زوجته، فوضعه على حجرها، فألقته، وقالت له: هكذا يكون الرجال.
ثم لم يستوزر الحافظ بعده أحدًا بل كان يباشر الأمور بنفسه.
ومنهم:
[٩٨] أبو الحسن علي بن السلار (١)
المنعوت بالملك العادل سيف الدين، وزير الظافر العبيدي، ومميز تلك الأيدي. كان في تلك الأيام التي أظلمت بدعها، وعلت شيعها علة في تلك الدهماء، وفجرًا متألقًا في ذلك الظلماء، ممن لا يرى تلك الفرق المضلة أعرض عنها متصاممًا، وأظهر الرضا بها فكأنما وقد عقد ضميره على إزالتها، وعهد إلى عزيمه في إعلاء السنة وإدالتها، واستقدم من الفقهاء من كان يسر مجالسته ويديم مؤانسته، ويستنصح برأيه
(١) علي بن السلار الوزير، أبو الحسن الملقب بالعادل الكردي العبيدي، سيف الدين، وزير الظافر صاحب مصر. كان كرديًا زرزاريًا، رُبِّيَ في القصر، وتنقل به الحال في الولايات بالصعيد وغيره، إلى أن تولى الوزارة. وكان شهمًا مقدامًا مائلًا إلى أهل العلم والصلاح، سنيًا شافعيًا. ولي ثغر الإسكندرية، واحتفل بالسلفي وأكرمه، وبنى له المدرسة العادلية، وليس بالثغر شافعية غيرها. ولما كان جنديًا دخل على الموفّق بن معصوم التنيسي متولي الديوان، وشكا إليه غرامة لزمته في ولايته بالغربية، فقال: إن كلامك لا يدخل أذني. فحقدها عليه، فلما وَرِزَ اختفى الموفق، فنودي في البلد: من أخفاه أُهْدِرَ دمُه، فأخرجه الذي خبأه عنده، فخرج في زي امرأة. فأحضر العادل لوح خشب ومسمارًا طويلًا، وعمل اللوح تحت أذنه، وضرب المسمار في الأذن الأخرى. فكان كلما صرخ قال له: دخل كلامي في أذنك أو لا؟ ثم إن العادل قتله نصر ابن امرأته على فراشه باتفاق من أسامة بن منقذ. ونصر هذا هو الذي قتل الظافر بن الحافظ أيضًا. وكانت قتلة العادل سنة ٥٤٨ هـ، لأن أبا الفضل عباس بن أبي الفتوح بن يحيى بن تميم بن المُعِزّ بن باديس وصل إلى القاهرة، وهو صبي ومعه أمه بلازة، فتزوجها العادل، وأقامت عنده زمانًا، ورُزِقَ عبّاس ولدًا سمّاه نصرًا. وكان عند جدته في دار العادل، والعادل يحنو عليه ويعزّه. ثم إن العادل جهز عبّاسًا إلى الشام للجهاد، وكان معه أسامة بن منقذ، فلما وصلا إلى بلبيس، وهو مقدّم الجيش، تذاكر طيب الديار المصرية وما هي عليه، وكونه يفارقها ويتوجه للقاء العدو، ومقاساة البيكار. فأشار عليه أسامة - على ما قيل - بقتل العادل واستقلاله بالوزارة ويستريح من البيكار. وتقرَّر بينهما أن نصرًا ولد عباس يقتل العادل، فإنه إذا =