وحدثني أنه لما اهتم الملك الأشرف بأطيار الناصري أمر الأمراء بالعرض فتضاهوا في التجمل، وبالغ لاجين، ونزل الملك الأشرف بالميدان وجعلت الأمراء تعرض بالنوبة أيامًا، فلما أتت نوبة لاجين كنت قد خرجت أريد الخدمة بالميدان، فرأيت لاجين على فرسه واقفًا وحده ينتظر طلبه، وقد جمله أحسن التجمل، ورتبه أحسن الترتيب، فلما رآني ناداني، فأتيت فجعل يتذكر أيامه بدمشق وطيبها وهو سار منشرح، فأقبل طلبه كأن عليه ومضان برق أو شعاع شمس، فزاد ابتهاجه وسروره فما وافي الطلب، حتى أتى ابن السلعوس في موكبه معترضًا، فساق إليه لاجين، وأومأ إليه بالخدمة والسلام فما زاد على أن قال له: حاشاك حسام الدين. فأريد وجه لاجين، ثم ساق ابن السلعوس حتى شق الطلب عرضًا فقطعه فزاد غيظ لاجين؛ فلما مضى ابن السلعوس جاءه أستاذ داره يسأله أن يعيد ترتيب الطلب، فقال له بغيظ، اعمله كيف ما كان إلى لعنة الله، وأثر هذا في خاطره تأثيرًا، فأتيت إلى عمّك، يعني شرف الدين أبا محمد ﵀ فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ما يزال هذا الجاهل حتى يخرب هذه الدولة، والله لا رجع لاجين حتى يخرب هذه الدولة أو يقتل، وهكذا كان.
وقد اختصرت في هذه الحكاية ما ليس هذا ذكر موضعه.
وحكى لي غير واحد: أن الملك الأشرف لما قتل كان ابن السلعوس بالإسكندرية، وقد رفع رأسه إلى السماء، وظهر بسيماء الجبروت، وهدد الوالي وتوعده بما فيه الإتيان على روحه فلما خرج من عنده، وقعت إليه البطائق على جناح الحمام الرسائل بقتل الأشرف، ورسم له فيها بالقبض على ابن السلعوس، فأتى الوالي إلى بابه، وقد نهض من مجالسه فقعد على الباب، فبعث يقول له: قد دعت الضرورة إلى المثول بين يدي مولانا الصاحب فقال له حاجبه: هذا ما لا سبيل إليه، فقال: لا بد، وألح، فآذنه بحضوره، فقال: ائذن له؛ فلما دخل عاجله بالشتم والإخراق وقال له: لا تعجل يا مولانا، ثم تقدم إليه، فاقرأه البطائق، فأسقط في يده، وخاف بادرة الوالي لما قدمه من الإساءة إليه، فقال له: لا بأس عليك يا مولانا مني، وأنت بخير، إن شئت جهزتك مع من يوم يوصلك آمنًا، وإن شئت مكنتك من الهرب، ودع روحي تذهب، وإن عزمت على هذا اتجهت معك حيث قصدت، فإنه لا يكون لي مقام بعد تمكيني لك من الهرب، فقال له: يا أخي والله ما زيد وزارة هؤلاء إلا هم ما يخلونا، فقال: والله ما رأي عليك إلا أن تنجو بنفسك؛ فإنك قد ملأت بحمقك عليك الصدور حنقًا، ولا ذهاب إليهم إلا أن كنت تريد أن تذهب نفسك، فقال له: دع منك هذا، فجهزه إلى القاهرة، فنزل في داره، فقبض عليه، وضرب بالمقارع حتى مات.