للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

دخل عليه، قبل الأرض، ثم قال: إن برز المرسوم إلى تكفية هذا المهم وغيره كفيته من مال مولانا بالشام، ففيه فضلة تسع هذا وأكثر منه، فأعجب الأشرف قوله، وقال له: اعمل. ورد الأشرف الحوائص، فقام ابن السلعوس وجهز ما أراده بزيادة كثيرة، وأتى إليه بالبقج فيها الخلع التمام وغيرها، ومعها أكياس فيها من خفائف الذهب والدراهم قدر الحاجة بالفاضل، فوقع فعله منه بموقع عظيم، ثم ركب للعب الكرة، فوجد ابن السلعوس قد هيأ فوق ما كان في نفسه من الطعام والشراب وأنواع الطاريء، فرأى الملك الأشرف ما ملأ قلبه سرورًا وتم له ما أراده من إظهار التجمل قدام أخيه، وقدام الناس، لئلا يراه، وأرضى الملك الأشرف بالقيام بكل ما يطلبه.

ثم لم يمتد المهل بالملك الصالح، فولي الملك الأشرف العهد بوساطة الأمراء الكبار على رغم كافل الممالك طرنطاي، وعلى كره من أبيه الملك المنصور، لما كانوا يعلمونه من بأسه وشجاعته، فزاد تعظيمه لابن السلعوس، وزاد شمم ابن السلعوس به، وصار يركب ركوب الوزراء، وينزل نزولهم، وتحمل خلفه دواة جليلة من الفولاذ المجوهر منزلة بالذهب، وفيها عقيان … الأشرف.

ثم كان إذا جلس جاءت إليه مخفية من المطبخ الأشرفي، ويجيء بعدها المشروب وغير ذلك، فضاق ذرع طرنطاي وأرباب التصرف منه، وبلغوا الملك المنصور عنه أقبح القول، ووصفوه حتى أحضره وضربه، وأمر بأن يرتجع منه كل ما وصل إليه من جهة ولده الملك الأشرف من المآكل، والمشارب، والخلع، والبغال، فجاء بجملة كبيرة، فعظم على الملك الأشرف موقع هذه المصيبة، وركب إلى أمير سلاح، ونزل عنده، وشكا إليه من فعل أبيه وطرنطاي، فركب أمير سلاح، وأرسل إلى بقية الأمراء، وكانوا يحبونه ويبغضون طرنطاي واجتمع بالملك المنصور خلوة، وقال عنه وعن الأمراء: إنّ الذي نقل عن ابن السلعوس كذب، وسأله فيه عنه وعن الأمراء حتى أمر بإطلاقه وطرده، وقال: بشرط أن لا يقيم بمصر، ولا يجاورنا؛ فلما أتى وقت الحج، وكان قد قرب، وخرج ابن السعلوس حاجًا وجهزه أمير سلاح وغيره من الأمراء بأحسن الجهاز رعاية للخاطر الأشرفي فتوفي الملك المنصور في أثناء تلك المدة، وآل الملك إلى الملك الأشرف، فلم يكن عنده حال جلوسه أهم من طلب ابن السلعوس، فكتب إليه كتابًا يطلبه فيه، ويحث على سرعة الحضور.

ثم لما قدم إليه الكتاب؛ ليعلم عليه، كتب في موضع العلامة: يا شقير، يا وجه الخير، حثّ السير.

فلما قرب بعث إليه من يلقاه بخلعة وبغله، ثم إنه حال وصوله، خلع عليه خلعة الوزارة، وأعطي الدواة، وقدمت إليه بغلة بالزناري، وباشر الوزارة مباشرة لم يبلغها أحد ومن الوزراء بعد شاور إلا الفائزي، ولم يبلغها.

<<  <  ج: ص:  >  >>