النطاق، فأوقفه لديه لأمر شكي به إليه، ثم أمر به، فضرب على هامته، وجرّ بعمامته يتغافل مدة.
ثم سار إلى مصر موقر الركاب، مملوء الأكياس المعدة عنه للجواب، فأتى باب موكله الملك الأشرف، وأقام به متسببًا في إقباله متقربًا إليه بما يأكل نار كرمه من قرابين ماله، صادًا له عن المباشرين لديه، سادًا لخلل ضروراته بما يقدر عليه.
وكان الملك الأشرف ضيّق اليد ليس له إلا ما يتحمل من إقطاعه بما لا يقوم، ولا يقوى بما يقدر عليه أخوه ولي العهد، وهو ينفق من مال لا يخشى من تلفه، فتكفل للملك الأشرف بكل كلفه، وإن جلت وترتيب نفقاته نظير أخيه والزيادة عليها إن قامت، فولاه أمر ديوانه وأولاه من القرب ما أدخر له أضعافه إلى أوانه.
ثم لم يلبث أن صار العهد للملك الأشرف حين مات أخوه، واضطر إلى أن يعهد إليه أبوه فروح في بذخه، والملك الأشرف في نفخه، فعمل ما لا يفعله كبراء الوزراء، وزاد حتى تعدى طور الأمراء، فأهم أبوه الملك المنصور أمره، فأمسكه وعاقبه، وأراد الفتك به، فشفع له أمير سلاح إليه، فأطلقه على أنه لا يأوي إلى ولده، ولا يساكنه ببلاده.
وأن أوان الحج فتوجه إليه في عامه من التجمل بالجمال، والهجن، والخيل، فما أمهلت الأيام الملك المنصور حتى مات، وورث ابنه الملك الأشرف ملكه، ونظم سلكه، وكتب إلى الوزير كتابًا أرسله مع محاب يستحثه، وكتب فيه بخطه: يا سفير، يا وجه الخير، حث السير، فجاء يطير في آهابه، ويحرق شواظ التهابه، فقلّده أمر الوزارة تقليدًا لم يكن لأحد عهد بمثله، ولا وصول إلى أقله.
كان السلعوس هذا في أول مرة من جملة التجار، وكان يأخذ نفسه بالسياسة والحشمة، وكان إذا طلع في متجره أخذ معه خيمة كبيرة، وقدرًا كبيرة، فإذا نزل، طبخ وغرف وجلس في خيمته، ومد الطعام بين يديه وطلب التجار ليأكلوا معه، فكانوا يهزأون به، ويقولون له: الصويحب تصغيرًا للفظة الصاحب.
ثم غلبه حبّ التقدم على تبطيل المدخر والانضمام إلى التقى توبة، فنقله حتى ولي الحسبة، كما قدمنا، ثم ولي الوكالة الأشرفية، ثم توجه إلى مصر ودخل في عين الأشرف بالتقرب إليه. واتفق أن الأشرف أراد الخروج للعب بالكرة يومًا مع أخيه ولي العهد الملك الصالح، فطلب مباشري ديوانه، وأمرهم بالاستعداد لذلك، لما تحتاج إليه من الطعام والشراب والخلع والنفقة، فبكى مباشره، وقال: من أين لنا؟، ومن أين نجد نحن هذا وعلينا من الدين ما علينا؟ تريد أن تضاهي أخاك وأنت رجل أمير، وذاك رجل ملك، وكل واحد يمشي على قدر حاله، فعظم هذا على الأشرف، ووجد له وجدًا عظيمًا، وأخرج من الحوائص الذهب التي عنده، ابتاع وينفق في ذلك، ولم يرد إظهار العجز قدام أخيه، فبلغ هذا، ابن السعلوس - وهو في بابه - فاستأذن عليه، فلما