أحسن تدبير، وساس الأحوال في سائر المملكة. وأخمل خلقًا كثيرًا ممن ناوأه. وكان عنده حسن ظن بالفقراء والمشايخ يحسن إليهم، ويقضي حوائجهم، ويبالغ في إكرامهم، فكان أرباب الحوائج يتوسلون بهم إليه فلا يردّ لهم شفاعة.
قال (١)، وحكي: أن بعض الصلحاء المتورعين قدم القاهرة في آخر شعبان، فكلف الاجتماع به بسبب شخص مصادر، فاجتمع به، وحدّثه في ذلك، فأجابه، ثم قال له: هذا شهر رمضان قد أقبل، وأشتهي أن تصومه، وتفطر عندي، وأقضي لك في كل ليلة عشر حوائج كائنة ما كانت. فنظر ذلك الرجل إلى ما يترتب على إجابته من المصالح، فصام شهر رمضان، وأفطر عنده، فوفى له بوعده وكان كل ليلة يقضي له عشر حوائج من إطلاق محبوس، وولاية بطال، ومسامحة من عليه مال وهو عاجز عنه، إلى غير ذلك.
واستمر به السعيد بعد وفاة أبيه الظاهر، وزاد في إكرامه ولم تزل حرمته تامة، ومكانته عالية، وكلمته نافذة، وأوامره مطاعة إلى حين وفاته.
وله بر أوقاف كثيرة منها مدرسة بزقاق القناديل بمصر، وكان يتصدق بالجمل الكثيرة سرًا وجهرًا، وله متاجر كثيرة، وابتلي بفقد ولديه، الصاحب فخر الدين والصاحب محيي الدين.
مولده بمصر سنة ثلاث وستمائة، وتوفي بها آخر يوم الخميس سلخ ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وستمائة، وصلّي عليه بكرة الجمعة، ودفن بالقرافة الصغرى بتربته، ومات وهو جد جد، وكان ممدحًا، والشعراء تتقرب إليه بمدحه بالدين والورع.
ومما يحضرني فيه قول السراج الوراق يهنيه بعيد الفطر: [من الوافر]
إِذَا هَنَّاكَ بِالأَعْيَادِ يَوْمٌ … فللأعيادِ تَمَّ بِكَ الهَنَاءُ
مَضَى شَهْرُ الصِّيَامِ عَلَيْكَ يُثْنَيْ … وَخَيْرُ ذَخَائِرِ المرء الثنَاءُ
جَبَرْتَ بِهِ الأَرَامِلَ وَاليَتَامَى … وَعِنْدَ اللهِ فِي ذَاكَ الجَزَاءُ
فأَحْيَيْتَ اللَّيَالِي فِيْهِ حَتَّى … بَدَا فَيْ اللَّيْلِ مِنْ شَفَقٍ حَيَاءُ
وكذلك قوله فيه، وقد فتحت صفد من قصيدة: [من الخفيف]
أرْدِفِ الجَيْشَ مِنْكَ جَيْشَ الدُّعَاءِ … وَبِضَرْبِ الرَّايَاتِ بالآرَاءِ
وَتَجَافَتْ عَنِ المَضَاجِعِ جَنْبَا … كَ وَأَدْمَيْنَ قَرْعَ بَابِ السَّمَاءِ
أَيْنَ مَا مُبْلِغُ السَّمَاءِ نَهَارًَا … مِنْ سِهَام الدُّعَاءِ في الظَّلْمَاء
وَنَعَمْ تَفْعَلُ العَزَائِمُ مَالًا … تَفْعَلُ المُرْهَفَاتُ ذَاتِ المَضَاءِ
(١) ذيل مرآة الزمان ٣/ ٣٨٤ - ٣٨٥.