للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مداخل لا تتخللها ولا تتجللها الظلماء، وجرى منه مجرى الدم من العروق، ووافق منه موافقة القطيعة للعقوق، وكان لا يقبل فيه لومة لائم، ولا يسمع فيه إيماضة سائم، ومكنه تمكين الظالم للظالم، وطول له حتى استمرأ له جلب البلاد بالمظالم.

وكان هذا الوزير يحب الصالحين وليس منهم، ويتقرب إليهم، وهو ناحية منهم، يعمل هذا إقامة الناموسه، وطريقًا إلى ما يحل بالناس من بؤسه. وكان إذا رأى فقيرًا أنزله إليه، وترامى على قدميه، ويتعهد فقهاء المدارس، ويباكر إلى زيارة القبور الدوارس، ويظهر التعلل من متاع الدنيا القليل، ويصوم الدهر ويقوم ليله الممتد، ويكابد نهاره الطويل، وله صدقة تفرّق، ورقة قلب تظهر، ولا يتحقق هذا على أنه فرعون زمانه، ونمرود أيامه وضحاكي دهره أيامه أكثر وضرًا من ابن الزيات، وأعظم عملًا من ابن العلقمي على السيئات، بقلب أقسى من الحجر، وبأس أشد من كل من فجر، واستمر أيام السعيد على فسيح هذا السلوك، لا يعطيه تقدم قرينه، ولا يضعفه ذهاب معينه، إلى أن أتاه آتيه وما أعجله، وجاءه الأجل، ويا ليته لا كان أجله.

قال ابن اليونيني (١): كان من رجال الدهر حزمًا، وعزمًا، ورأيًا، وتدبيرًا. انتقلت به الأحوال، وتنقلت به المناصب الجليلة، وظهرت كفايته ودرايته وحسن تأتيه، فاستوزره الملك الظاهر في أوائل دولته، وفوض إليه أمور مملكته مما يتعلق بالأموال والولايات والعزل، لا يعارض في ذلك، ولا يشارك، بل هو المستقل بأعباء ذلك، والمحيا إليه فيؤه، ولم يزل مستمرًا على ذلك إلى حين وفاة الملك الظاهر، فدبر الأمور


= بأعباء المملكة، وأخمل خلقًا ممن ناوأه. وكان واسع الصدر، عفيفًا، نزهًا، لا يقبل لأحد شيئًا إلا أن يكون من الصلحاء والفقراء.
وكان قائلًا بهم يُحسن إليهم يحترمهم ويدر عليهم الصلات. وقد قصده غير واحد بالأذى، فلم يجدوا ما يتعلقون به عليه. واستمر في وزارة الملك السعيد، وزادت رتبته. وله مدرسة وبرّ وأوقاف ومتاجر كثيرة.
توفي في سلخ ذي القعدة سنة ٦٧٨ هـ/ ١٢٧٩ م. وشيعه الخلق، وعاش أربعًا وسبعين سنة.
ترجمته في: نهاية الأرب ٣٠/ ٣٨٨ - ٣٨٩، والمقتفي للبرزالي/ ١/ ورقة ٧٧ ب، ودول الإسلام ٢/ ١٧٩، والإشارة إلى وفيات الأعيان ٣٦٩، والوافي بالوفيات ٢١/ ٣٠ - ٣٣ رقم ٤، ومرآة الجنان ٤/ ١٨٨ - ١٨٩، والبداية والنهاية ١٣/ ٢٨٢، والعبر ٥/ ٣١٥ - ٣١٦، والسلوك ج ١ ق ٢/ ٦٥١، وبدائع الزهور ج ١ ق ١/ ٣٤٤، وعيون التواريخ ٢١/ ٢٠٠، وذيل مرآة الزمان ٣/ ٣٨٦٣٨٤، وتاريخ ابن الفرات/ ٧/ ١٢٥، وتالي كتاب وفيات الأعيان ٩٩، وفوات الوفيات ٣/ ٧٦، والدرة الزكية ٢٢٥، وتبصير المنتبه ٤٧٣، والنجوم الزاهرة/ ٧/ ٢٨٥، وحسن المحاضرة ١/ ٢١٦، وشذرات الذهب ٥/ ٣٥٨، وتاج العروس ٩/ ١٨٦، وعقد الجمان ٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨، الأعلام ٤/ ٣٣٣، تاريخ الإسلام (السنوات ٦٧١ - ٦٨٠ هـ) ص ٢٧٦ رقم ٣٧٣.
(١) ذيل مرآة الزمان ٣/ ٣٨٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>