العاضد عمته، فأرسلها إلى طلائع، فقتلها، وسأل العاضد بأن يولي ابنه رزيك الوزارة، فولي، لقب العادل ومات الصالح طلائع، فاستقر ولده في الوزارة.
ولما مات الصالح، دفن بالقاهرة، ثم نقله ولده العادل في تابوت من دار الوزارة - وهي المعروفة بإنشاء الأفضل شاهنشاه - وركب خلفه العاضد إلى تربته التي بالقرافة الكبرى، فعمل في ذلك عمارة قصيدة طويلة أجاد فيها ومن أبياتها: [من الكامل]
وَكَأَنَّهُ تَابُوتُ مُوسَى أُوْدِعَتْ … في جَانِبِيْهِ سَكِينَةُ وَوَقَارُ
وهذا الصالح هو الذي بنى الجامع خارج باب زويلة.
وأما ولده العادل رزيك، فكان الصالح أوصاه أن لا يتعرض لشاور بمساءة، ولا يغير عليه حاله، فإنَّه لا يأمن عصيانه، والخروج عليه، وكان كما أشار. قدم شاور من الصعيد على الواحات فاخترق، ودخلها ثاني عشرين المحرم ثمان وخمسين وخمسمائة فهرب العادل وابنه وحاشيته من القاهرة ليلة العشرين من المحرم منها، وحمل من الذخائر معه ما لا يحصى، واستجار بسليمان، وقيل: يعقوب بن النيص اللخمي وكان من خواص أصحابهم، وحصل من جهتهم نعمة وافرة فأنزلهم عنده وهو … وسار من ساعته إلى باب شاور، فأعلم بهم، فندب معه جماعة، ومضوا إلى العادل، وأخذوه أسيرًا، وأحضروه إلى باب شاور، فوقف زمانًا طويلًا، ثم حبسه.
ثم قال شاور لابن النيص: لقد خبأك الصالح ذخيرة صالحة لولده، وأنا أيضًا أخبئك لولدي، ثم شنقه. وبقي العادل في الاعتقال مدة، ثم قتله، وأخرج رأسه لأمراء الدولة.
ومن العجائب أنّ الصالح ولي الوزارة في التاسع عشر، وقتل في التاسع عشر، ونقل تابوته في التاسع عشر، وزالت دولتهم في التاسع عشر، وفيهم يقول عمارة اليمني من أبيات: [من البسيط]
وَلَّتْ لَيَالِي بَنِي رُزِّيْكَ وَانْصَرَمَتْ … والمَدحُ والشَّكْرُ فِيهِمْ غَيْرُ مُنْصَرِمِ
كَأَنَّ صَالِحَهُم يَوْمًا وَعَادِلَهُمْ … فِي صَدْرِ ذَا الدَّسْتِ لَمْ يَقْعُدُ ولَمْ يَقُمِ
ومن نظم الصالح أبي الغارات من قصيدة: [من البسيط]
إذا بل الغريم ماله طَرَفٌ … في كُلِّ جَمْعِ بَدَا مِنْ حُسْنِهِ طَرَفُ
تقولُ لَمَّا أَتَانَا مَا بَعَثْتَ بِهِ … هَذَا كِتَابٌ أَتَى أَمْ رَوْضَةٌ أُنْفُ
رَقَّتْ حَوَاشِي كَلَامِ أَنْتَ نَاظِمُهُ … فِيْهِ فَجَاءَ كَزَهْرِ الرَّوْضِ يُقْتَطِفُ
وَرَدْتَ بَحْرَ القَوَافِي فَاغْتَرَفْتَ كما … قَدْ حَلَّ يَوْمَا بِهَذَا النِّيْلِ مُغْتَرِفُ
قَرطَسْتَ رَمْيَا وَكَمْ رَام بأَسْهُمِهِ … إِذَا تَحَقَّقَ مِنْهُ يَسْلَمُ الهَدَفُ
إِذَا تَطَلَّعَ فَوْقَ الأَرْضِ ذَا أَدَبِّ … فَأَنْتَ مِنْهُ عَلَى العَيُّوقِ تَشْتَرِفُ
لأَعْيُنِ النَّارِ نَهْبٌ مِنْ مَحَاسِنِها … كَمَا القُلُوبُ يُلاقِيْهَا فَتُخْتَطَفُ