ابن الداعي، فوقفوا في دهليز القصر، وضربوه بالسكاكين على دهش، فجرحوه جراحات مهلكة، وحمل إلى داره، وفيه حياة، فأرسل إلى العاضد يعاتبه على الرضا بقتله، فخلف العاضد أنه لم يعلم ذلك، ولا رضي به، فقال: إن كنت بريئًا فتسلم عمتك لي حين انتقم منها، فأمره بأخذها، فأرسل إليها، وأخذها قهرًا، وحصرت عنده، فقتلها، وأوصى بالوزارة لابنه رزيك، ولقب العادل، فانتقل الأمر إليه بعد وفاة أبيه في رمضان سنة ست وخمسين وستمائة.
وكان كريمًا فيه أدب ومعرفة، وكان لأهل العلم عنده نفاق، ويرسل إليهم العطاء، وبلغه أنّ محمد بن الدهان النحوي البغدادي المقيم بالموصل شرح بيتًا من شعره، وهو: [من الطويل]
تَجَنبَ سَمْعِي مَا يَقُولُ العَوَاذلُ … وَأَصْبَحَ لِي شُغْلٌ مِنَ الغَزْوِ شَاغِلُ
فجهز [جائزة] سنية، ليرسلها إليه فقتل قبل إرسالها.
وبلغه أنّ إنسانًا من أعيان الموصل قد أثنى عليه بملكه، فأرسل كتابًا يشكره، ومعه هدية.
وكان إماميًا، لم يكن على مذهب العلويين المصريين، لما ولي العاضد الخلافة وركب سمع الصالح ضجة عظيمة، فقال: ما الخبر؟، فقال: إنهم يفرحون بالخليفة، فقال: كأني بهؤلاء الجهلة يقولون: ما مات الأول حتى استخلف هذا، ولما علموا أني من ساعة استعرضهم استعراض الغنم.
قال عمارة اليمني: دخلت عليه قبل قتله بثلاثة أيام، فناولني قرطاسًا فيه بيتان من الشعر وهما: [من الخفيف]
نَحْنُ فِي غَفْلَةٍ وَنَوْمِ وَلِلْمَوِ … تِ عيُونٌ يَقْظَانَةٌ لا تَنَامُ
قَدْ رَحَلْنَا إلى الحِمَامِ سِنِيْنَا … لَيْتَ شِعْرِي مَتَى يَكُوْنُ الحِمَامُ
وكان آخر عهدي به.
قال عمارة: ومن عجيب الاتفاق أنني أنشدت ابنه، قصيدة، أقول: [من الطويل]
أبُوكَ الَّذِي تَسْعُو اللَّيَالِي بِمَدِّه … وَأَنْتَ يَمِينُ إِنْ سَطَا وَشِمَالُ]
لِرُتْبَتِهِ العِلْيَا وَإِنْ طَالَ عُمْرُه … إِلَيْكَ مَصِيرُ وَاجِبٌ وَمَنَالُ
لخالصك اللحظ المصُونُ وَدُوْنَها … حِجَابٌ شَرِيْفٌ لا اعصى وَحِجَالُ
فانتقل الأمر إليه بعد أيام.
وفي سنة ست وخمسين وخمسمائة جهزت عمة العاضد على الصالح أبي الغارات من قتله بالسكاكين، وهو في دهليز القصر، فحمل إلى بيته، وبه رمق، فأرسل يعتب [على] العاضد، فخلف العاضد أنه ما علم بذلك، وأمسك