للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وتوقد بها في كل ناحية سراج. لا زي إلا بسط نضار فرش بالأزهار، وبديع شقائق خضر طرزت بالأنهار، وعميم … لا يتلمس فيه وجه المريب، ولا يروع الشاه.

هذا وسيفه لا يرى منه إلا خلّته، ولا يعرف منه إلا حسن شيته، إلى أن أتت الأرزاء … ودهنه حيث لا يمنع الأعزاء.

ذكر ابن الأثير: أنَّ عباسًا قتل الظافر، وأقام الفائز ظنَّ أنَّ الأمر يتم له على قدر ما يريده وكان الحال خلاف ما اعتقده؛ فإنّ الكلمة اختلفت وصار الأمر بالأمر إلا وتلقب إليه، ولا يسمع قوله.

وأرسل من بالقصر والخدم إلى طلائع بن رزيك يستغيثون، وأرسلوا شعورهن على الكتب، وكان في منية بني الخصيب واليًا عليها وعلى أعمالها، وليست من الأعمال الجليلة، وإنما كانت أقرب الأعمال إليهم، وكان فيه شهامة، فجمع ليقصد عباسًا، وسار إليه، فلما سمع عباس بذلك، خرج من مصر نحو الشام بما معه من الأموال التي لا تحصى كثرة والتحف والأشياء التي لا يوجد مثلها مما كان أخذه من القصر، وسار معه ولده نصر وأسامة بن منقذ؛ فلما سار وقع به الفرنج، فقتلوه، وأخذوا جميع ما معه، فتقولوا به.

وسار الصالح، فدخل القاهرة بأعلام سود، وثياب سود حزنًا على الظافر، والشعور التي أرسلت إليه من القصر على رؤوس الرماح، وكان هذا من الفأل العجيب؛ فإن الأعلام السود العباسية دخلتها، وأزالت الأعلام العلوية بعد خمس عشرة سنة.

فلما دخل الصالح القاهرة، خلع عليه الوزارة، واستقر في الأمر، وأحضر الخادم الذي شاهد قتل الظافر، فأراه دفنه، وأخرجه، ونقله. وذلك في ربيع الأول سنة تسع وأربعين وخمسمائة إلى مقابرهم بالقصر.

ولما قتل الفرنج عباسًا، أسروا ابنه، فأرسل الملك الصالح يبذل لهم مالًا، وأخذه منهم، فسار من الشام مع أصحاب الصالح، فلم يكلم أحدًا منهم كلمة إلى أن رأى القاهرة فأنشد: [من الطويل]

بَلَى نَحْنُ كُنَّا أَهْلَها فَأَبَادَنَا … صُرُوفُ الليالي وَالجُدُودُ العَوَاثِرُ

وادخل القصر، وكان آخر العهد به، وقيل: إنه قتل وصلب على باب.

ثم أخذ الصالح في استقضاء البيوت الكبار والأعيان بالديار المصرية، فأهلك أهلها، وأبعدهم عن ديارهم، وأخذ أموالهم، فمنهم من تفرَّق في بلاد الحجاز واليمن وغيرها، وكان قد فعل ذلك خوفًا منهم أن يثوروا عليه، وينازعوه في الوزارة، وتحكم في الدولة التحكم العظيم، واستبد بالأمر والنهي، وجباية الأموال إليه العاضد؛ لأنه هو ولاه فزوج ابنته من العاضد فعادله أيضًا الحرم، فأرسلت عمة العاضد الأموال إلى الأمراء المصريين، ودعتهم إلى قتله، وكان أشدهم في ذلك رجل يقال له

<<  <  ج: ص:  >  >>