للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الذي عظم منه الضرر، وقد كنت أحدًا في الإعلام بحوادثه العظام، فإنه أذهل الأذهان، وشغل البيان، وإذا قيل تملأ السهل والجبل والجنوب كما اضطجعت، والعيون كما هومت للنوم وهجعت.

فمن ماض قد استلبه، وتاج قد خربه، وفازع قد أثكله، والبرق تحت فؤاده، والورق ينسرب مراده، والكل استسلم القدر، واعتصم بالله تعالى جل من وزر، حتى أرانا الله آية أعجازه وبراهينه، وغيض الماء لحينه، وطلع الصباح على معالم قد غيرها، ولم يبق إلا خبرها، وآكام قد حدرها، لا ينقضي منها عجب لنا، ولا يسمع بمثلها في الزمن الغابر، فالحمد لله على وافي دفعه، وتلافى غوثه ونفعه، لا إله إلا هو. قال [ابن] بسام حين ذكره (١): أحد من جمع الحديث إلى القديم، وارتقى من رئاسة الأقلام إلى سياسة الأقاليم، واتفق لبني طاهر بالفتنة المطغية رئاسة كورة مرسية.

كان أبو عبد الرحمان يكتب عن نفسه بهذا الأفق كالصاحب بن عباد بالمشرق، وله رسائل تشهد بفضله، وتدل على نبله، ولا سيما إذا هزل، فإنه يتقدم الجماعة، ويستولي على ميدان الجماعة الصناعة.

لما خبط أبو بكر بن عمار سمرات ملوك الأندلس بعصاه، وتردد ينتجعهم بمكائده ورقاه، وإنما كان يطلب سلطانًا ينثر في يده ملكه، وملكًا يخلع عليه عطفه، جعل أبا عبد الرحمان بن طاهر مرتع همه، ووجه أمه.

ولما ألقى المعتمد بن عباد إلى ابن عمار بيده، وقلّده تدبير دولته وبلده، بعثه على حرب ابن طاهر بغاء لنفسه وبقاء على أُسِّه، فاقبله وجوه الجهاد، وأخذ عليه بالثغور والأسداد حتى فتّ في عضده، وانتزع سلطانه من يده، ولما نال غرمه، وفعل وقام وزان أمره واعتدل، مد يده وبسطها، وكفر نعمة ابن عباد، وعظمها، وانبرى من حينه على مرسيه، وقعد بها مقعد الرؤساء، خاطب سلطانه مخاطبة الأكفاء، مستظهرًا على ذلك بجر الأذيال، وإفساد قلوب الرجال، معتقدًا أنَّ الرئاسة كأس يشربها، وملا جنون يسحبها، فقيض له يومئذ من عبد الرحمان بن رشيق عدو في ثياب صديق، كان في ذلك الأوان. فخلص عبد الرحمان خلوص الثريا من يد الدبران، والتقى هو وابن عمار ببلنسية بعد ذلك، وقد استوى الغالب والمغلوب، وضعف الطالب المطلوب.

وأورد من نثره قوله:

قد تصرفت بي سهوب الإسهاب، وقد تعلّقت بأطناب الأطناب، وسلكت من


(١) الذخيرة ق ٣/ مج ١/ ٢٤ - ٢٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>