البلاغة مسالك لا تجد حيات الأدهان فيهان مذبان، ولا أرواح الأفكار في جرها مهبًا، فإن فرعت بأنها معك، وقد باشرت بدعك زاد في انغلاقا، وكنت ككودن مع عتيق لا يرجو له لحاقًا يحجى بذي الحجى سلوك سبيل الاختصار والإنجاز إذ لا بد من الوقوع تحت الاقتصار والإنجاز، والله يبقيك لأحياء رسم الأدب فإقامة أَودِ لسان العرب».
وقوله (١):
مثلي ومثلك مثل رجل من العرب استقرى عقيلة ربرب، بل سليلة فضل وحسب، فأجزلت قراه، وأكرمت مثواه، فلما اطمأن المجلس، واطمأن التأنس، سعته إلى بعض أوطارها، فراقه ما تحت أزارها، فجعل ينشد:[من الرجز]
يا خيرَ أُخْتِ البَدْءِ والحَضَارَة
مَاذَا تَرَيْنَ في فتى فزارة؟
أَصْبَحَ يَهْوَى حُرَّةً مِعْطَارَه
إِيَّاكِ أَعْنِي واسْمَعِي يا جَارَه
وكذلك [غيرك] المخاطب في شؤوني وأنت المراد، وإليك الإيماء وفيك يبدأ القول ويعاد، وأنت ما أعطر خلالك، وأكثر اهتبالك لازالت أياديك طواق، ومعاليك معطرة الآفاق.
وقوله (٢):
«وتوفي فلان - عفا الله عنه - وكان البقية الذي يُرضى ببقائها، ويُعْشى إلى أضوائها، فاختلسته المنية، وفجعت به الدنيا الدنية، فمن شأنها أن تذهب بالأفاضل، وتذهب على الأماثل، نقله الله إلى رضوانه، وحفّه بغفرانه، وأحسن العزاء عنه، وإن عز العوض منه.
وأما عهدنا فقد درس منه العهد، بخطوب يتمنى معها الفقد: بلاد لحقها التغيير، واستولى عليها التدمير، وأكلت الجوعة بنيها، وتعطل الشرع والدين فيها، فلا صلاة تجمع، ولا منبر يرفع، والكل في حوض الردى ناهل، فلين على الإسلام نائح، وليجبه من جانب القبر صائح».