للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

المقرّ بالشَّهادة، كأنه مسلم، وزير التدمير لا التدبير، وعون إبليس في التعكيس، وما … من الخطر وكان فيه على الإبر، وسلط فيه عقاربه الضارية، وبثَّ إليه مصائبه السارية، وما جرأه عليه إقدامه من سفك الدماء المحرَّمة، وجناه على كل مسلم ومسلمة، وتهوّر فيه تهور من لا تعاوده الندامة، وتصور أنه إذا بات لا يبعث يوم القيامة، وهو آخر وزراء القوم، ومن أرّخ عليه اللعنة إلى اليوم.

ولي وزارة المستعصم بعد ابن الناقد في ربيع الأول سنة اثنتين وأربعين وستمائة، وكان فاضلًا، رئيسًا، عالي الهمَّة، مغاليًا في التشيُّع، وذلك الذي حمله على فعل ما فعل، فإنه حصل بينه وبين الدَّوادار شحناء بسبب المذاهب، لأنَّ الدَّوادار كان مغاليًا في السنَّة، وعضده بعض أولاد الخليفة، فحصل عن ابن العلقمي الوزير الضغن، ما حمله على السعي في دمار الإسلام، ولم يُراقب الله تعالى، وانضم إلى هذا ركون الخليفة له، وعدم تيقظه، فتمَّ للوزير مراده.

ثم ندم على فعله، لأنه كان قد تقرر بينه وبين هولاكو؛ لأن هولاكو إذا ملك العراق … فيه، ويقتل الخليفة وحاشيته … لا غير، فلما جرى ما هو مشهور عومل الوزير، بأنواع الهوان من صغار التتر، فضلًا عن الكبار منهم.

حكى أنه كان قاعدًا في الديوان لتنفيذ الأشغال، فدخل بعض من لا يوبه إليه من التتار راكبًا فرسه إلى أن وقف بفرسه على البساط الذي الوزير عليه جالس، وخاطبه بما يريد، واتفق أن بال الفرس على البساط فصاب رشاش البول ثياب الوزير.

وكان مع هذا الهوان يظهر قوة النفس، لكونه بلغ مقصوده ممن أراد.

وحكى بعض البغاددة، قال له: يا مولانا أنت فعلت هذا جميعه حمية للشيعة، وقد قتل من الأشراف الفاطميين خلق لا يحصون، وارتكب الفواحش من ألوف من نسائهم، وافتضت الأبكار من بنات الشرفاء مما لا يعلمه إلا الله تعالى، فضلًا عن غيرهم. فقال: بعد أن قتل الدوادار، ومن كان على رأي مثله، لا مبالاة بذلك.

ولم يظل مدة بعد واقعة بغداد، وقدم على قدم، وكانت له يد في صناعة الإنشاء، حكى ابن الأثير: إنه أول ما كان كاتبًا للإنشاء، ثم استنيب في الوزارة، ثم وزر للمستعصم، وبعث المستعصم إليه بشدَّة أقلام، قيل: فكتب إليه: قبل المملوك الأرض شكرًا للأنعام بأقلام قلمت عنه أظفار الحدثان، وقامت له حرب صرف الزمان مقام عواسل المران، وأجنته ثمار الأوطار من أغصانها، وحازت له قصبات السبق يوم رهانها، فيا الله كم … ذمام عقدها، وكم بحر سعادة أصبح في مدادها ومدَّها، وكم مناد خط استقام بمثقفاتها، وكم صوارم خطوب فُلَّتْ مضاربها بمرهفاتها، والله ينهض

<<  <  ج: ص:  >  >>