رُضَّ بالحجر، وتصرَّف ليته صرف، وجهل أمره وليته عرف، وكمن كمون الأرقم، وسقى الناس من كأسه العلقم، وحمله تحامله على أهل السابقة الأولى على قطع شجرة الإسلام، وقلع مدن دار السلام، إذ كان في أهل من كبراء الدولة من يقف في طريق رفضه ويرد عن كل ما ردّه السيء أو بعضه، وهو يأبى إلا أن يزيد في غُلُوّه، ليُبدل الإسلام كفرًا، وأخذ في ممالأة التتار، وموالاة ما يعجل الدمار، حتى كانت تلك الكتابة التي هي في صحيفة عمله، وجرَّ تلك البلية بحبل حيله، وجلب تلك الرزايا، وصب تلك البلايا، وفعل في أكثر الدنيا ما لم يفعل بختنصر في البيت المقدس، ولا الضحاك بن الهراسب حين يمجس، وكلف أمة محمد ﷺ ما لم يكلفه فرعون لبني إسرائيل، ولا سامه أهل مكة إبرهة عام الفيل، فإنه لم يكن يقيم بلية مثل بليته، ولا عرفت في قضايا الأيام مثل قضيته، فكم من نفوس ذهبت، ونفائس نُهِبَتْ، ونعم أجفيت، وحُرَمٌ سبيت، وأبكار افتُضَّتْ، وأموال من الذهب ذهبت ومن الفضة فُضَّتْ، ونجوم من القصور أهويت، وأبنية نقضت وأفنية مع سكانها مضت، حتى بكت عروس الخلافة، وذهبت بقايا أهل الرحمة والرأفة. كل هذا بسوء فعل هذا المجرم والكافر.
= ولد سنة ٥٩٣ هـ/ ١١٩٧ م. اشتغل في صباه بالأدب. وارتقى إلى رتبة الوزارة سنة ٦٤٢ فوليها أربعة عشر عامًا. ووثق به المستعصم فألقى إليه زمام أموره. وكان حازمًا خبيرًا بسياسة الملك، كاتبًا فصيح الإنشاء. اشتملت خزانته على عشرة آلاف مجلد، وصنف له الصغاني «العباب» وابن أبي الحديد شرح نهج البلاغة ونفى عنه بعض ثقات المؤرخين خبر المخامرة على المستعصم حين أغار هولاكو على بغداد سنة ٦٥٦ وقال بعضهم أنه مالأه، وولي له الوزارة مدة قصيرة وتوفي سنة ٦٦٠ هـ/ ١٢٥٨ م. ودفن في مشهد الإمام موسى بن جعفر (الكاظمية) ببغداد، وخلفه في الوزارة ابنه عز الدين «محمد بن محمد» بن أحمد وهناك روايات بأن مؤيد الدين أهين على أيدي التتار، بعد دخولهم، ومات غمًا في قلة وذلة. جاء في العسجد المسبوك «أنه كان عالمًا أديبًا، حسن المحاضرة، دمث الأخلاق، كريم الطباع، خير النفس، كارهًا للظلم، خبيرًا بتدبير الملك، ولم يباشر قلع بيت ولا استئصال مال، اشتغل بالنحو وعلم الأدب في شبيبته … ». ترجمته في: العبر ٥/ ٢٣٥ - ٢٣٦، والحوادث الجامعة ١٦٢، ودول الإسلام ٢/ ١٦١، وتاريخ ابن الوردي ٢/ ٢٠١، ومرآة الجنان ٤/ ١٤٧، وعيون التواريخ ٢٠/ ١٣٣ و ١٣٦ و ١٩٣، والفخري في الآداب السلطانية ٢٣٦ - ٢٣٧، والبداية والنهاية ١٣/ ٢١٢ - ٢١٣، وفيه: «محمد بن أحمد بن محمد بن علي»، ومآثر الإنافة ٢/ ٩٠ - ٩٢، وتاريخ الخميس ٢/ ٤٢١ - ٤٤٢، وشذرات الذهب ٥/ ٢٣٧، والعسجد المسبوك ٢/ ٦٤٠ - ٦٤١، وجامع التواريخ ج ٢ ق ١/ ٢٦٢ - ٢٦٤، وعقد الجمان (١) ٢٠٢ - ٢٠٣، ومختصر التاريخ لابن الكازروني ٢٤٧، ٢٥٢، ٢٦٧، ٢٧٢، ٢٧٨، وخلاصة الذهب المسبوك ٢٨٣، ٢٨٩، الأعلام ٥/ ٣٢١، تـ تاريخ الإسلام (السنوات ٦٥١ - ٦٦٠ هـ) ص ٢٩٠ رقم ٣١٥.