وقيل: لا يوقف وهو الصحيح؛ لأن بعدها استثناء من الأول، معناه: لا يخاف لديّ المرسلون من وعيدي إلا من ظلم منهم، مثل: آدم ويونس وداود وسليمان وإخوة يوسف (١)، فإنهم يخافون وعيدي فتابوا، قاله مقاتل بن سليمان (٢).
وقيل: يجوز الوقف عليه (٣)؛ لأنه استثناء بمعنى:(لكن)؛ لأن أنبياء معصومون من خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا من غيرهم، فهو يخاف ويرجو فيكون إلا لغير الاستثناءات مستثناة على الانقطاع على معنى: لكن من ظلم، كقوله: ﴿حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]، يعني: لكن الذين ظلموا منهم (٤)، وهذا معرفة في قول العرب، تقول: سار الناس إلا الأبنية والخيم، معناه: لكن الأبنية والخيم فإنها لا تسير.
وقيل: هذا أيضًا مستثنى من الذين [ترك](٥) في الكلام، كأنه جلّ وعلا قال: إني لا يخاف لدي المرسلون إنما يخاف على غيرهم إلا من ظلم ثم بدل حسنًا بعد سوء، فيكون ذلك مستثنى مما ترك بنيان معناه: لا تظلموا، قال: لا يخاف لدي المرسلون، وكأنه قال: يأمن المرسلون، ويخاف غيرهم، فاكتفى بالشيء من ضده (٦).
(١) واختلف في نبوة إخوة يوسف ﵇ هل هم أنبياء أم لا؟ وإذا كانوا كذلك فكيف وقعوا في المعصية؟ فمنهم من قال أنهم ليسوا بأنبياء، ومنهم من قال إنهم أنبياء وإنما فعلوا ما فعلوه من التأمر على قتل يوسف ﵇ قبل النبوة. ذكر الإمام ابن كثير ﵀ هذا الخلاف وحرّره فقال: «واعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف، ومن الناس من يزعم أنهم أوحي إليهم بعد وقوعهم في المعصية، فقولهم هذا فيه نظر ويحتاج إلى دليل، ولم يذكروا سوى قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [البقرة: ١٣٦]، وهذا فيه احتمال؛ لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم: الأسباط، كما يقال للعرب: قبائل، وللعجم: شعوب، وفي الآية ذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل فذكرهم إجمالًا؛ لأنهم كثيرون، ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم». ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٤/ ٣٧٢. (٢) ينظر: تفسير مقاتل بن سليمان ٣/ ٢٩٧. (٣) والوقف عليها: كاف عند الداني والعماني، وتام عند أبي العلاء الهمذاني. ينظر: المكتفى ص ١٥٢، والمرشد ٢/ ٤٩١، والهادي ٢/ ٧٤٦. (٤) ينظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٤/ ١١٠، وتفسير ابن فورك ١/ ٢٨٤. (٥) كذا وجدته في النسخة الخطية، والصواب (تُركوا)؛ ليستقيم الكلام. (٦) ينظر: جامع البيان للطبري ١٩/ ٤٣٢، والكشف والبيان ٧/ ١٩٢.