للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

قَالُوا: الاحْتِبَاسُ الكُلِّيُّ وَالتَّمَكُنُ بِأَنْ يَصِيرَ مَمْلُوكًا لَهُ، كَذَا ذَكَرَ الكَرْخِيُّ عَنْ السَّلَفِ، وَلِأَنَّ الثَّابِتَ لِلْمُرْتَهِنِ يَدُ الاسْتِيفَاءِ، وَهُوَ مِلْكُ اليَدِ وَالحَبْسِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ يُنْبِئُ عَنْ الحَبْسِ الدَّائِمِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] وَقَالَ قَائِلُهُمْ:

وَفَارَقَتْكَ بِرَهْنِ لَا فِكَاكَ لَهُ … يَوْمَ الوَدَاعِ فَأَمْسَى الرَّهْنُ قَدْ غَلِقَا

وَالْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ تَنْعَطِفُ عَلَى الأَلْفَاظِ عَلَى وَفْقِ الْأَنْبَاءِ، وَلِأَنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ لِجَانِبِ الِاسْتِيفَاءِ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ مُوصِلَةٌ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ ثَابِتٌ لَهُ بِمِلْكِ اليَدِ وَالحَبْسِ، لِيَقَعَ الأَمْنُ مِنْ الجُحُودِ مَخَافَةَ جُحُودِ المُرْتَهِنِ الرَّهْنَ، وَلِيَكُونَ عَاجِزًا عَنِ الِانْتِفَاعِ

حجة دون حديثنا.

قوله: (في الحبس الدائم) قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] أي محبوسة، وقال قائلهم وهو زهير:

وَفَارَقَتْكَ بِرَهْنٍ لَا فَكَاكَ لَهُ

............... … يوم الوداع فأمْسَى الرهن قد غلقا (١)

تمامه:

أي ارتهنت قلبه؛ فذهبت واحتبست قلب المحب عندها على وجه لا يمكن فكاكه يوم الوداع.

(والأحكام الشرعية تنعطف)؛ أي تبتنى وتنسحب (على الألفاظ) اللغوية؛ أي الأصل ورود الشرع على مطابقة الحقيقة اللغوية؛ فدل أن الرهن يوجب الحبس بالدين دائما، وذا إنما يكون بملك الحبس واليد، وذا لا يكون إلا بالضمان، وهذا كالكفالة والحوالة؛ فإنهما للضم والنقل لغة ولضم الذمة في المطالبة أو في الدين، ونقل الدين من ذمة إلى ذمة شريعة؛ فيطابق الشرعي اللغوي.

قوله: (ولأن الرهن وثيقة لجانب الاستيفاء) حتى اختص بما يمكن استيفاء


(١) هذا البيت لزهير وهو من بحر البسيط، وانظره في معجم ديوان الأدب للفارابي (٢/ ٢٤٦)، العين للخليل (٥/ ٢٨٤).

<<  <  ج: ص:  >  >>