مُسْكرٍ حَرَامٌ» خطأ زادوا فيه الميم، والصحيح من الرواية «كلُّ سُكر حرام»، وكذا ما يرويه الناس «ما أسكر كثيره فقليله حرام»(١) لم يثبت عن النبي ﷺ، ولأن الخلاف في ذلك مشهور بين الصحابة، ولم يحتج بهما أحد.
ولأن الأخبار لما تعارضت يتمسك بالقياس، وهو شاهد لنا؛ لأنه تعالى في قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآية، بيَّنَ في الجملة تحريم الخمر، وهو الصد عن ذكر الله، وإيراث العداوة والبغضاء، وهذه المعاني لا تحصل بشرب القليل، ولو خلينا ظاهر الآية؛ لقلنا بأن القليل من الخمر لا يحرم أيضًا، لكنا تركناه في قليل الخمر بالإجماع، ولا إجماع فيما عداه فبقي على ظاهر الآية.
(ثم هو) أي: الحديث إن صح (محمول على القدح الأخير) بدليل ما روى ابن عباس أنه ﷺ[قال](٢) «كلُّ مسكر حرام فقيل: يا رسول الله إن هذا الشراب إذا أكثرنا منه سكرنا، قال ﷺ ليس كذلك إذا شرب تسعةً فلم يسكر لا بأس به، وإذا شرب العاشر فسكر فذلك حرام (٣).
ولهذا قال أبو يوسف: لو شرب تسعة أقداح من النبيذ ولم يسكر فأوجر العاشر وسَكِرَ لا حدّ عليه، ولو أوجِرَ التسعة وشرب القدح العاشر بالاختيار وسكر يحد، ذكره في المحيط.
وعن أبي موسى الأشعري قال: بعثني رسول الله ﷺ ومعاذًا إلى اليمن، فقلنا: يا رسول الله إن بها شرابين يصنعان من البر والشعير أحدهما: يقال له المزر، والآخر يقال له البتع، فقال ﷺ: اشربا ولا تسكرا» (٤) فدل أن المراد
(١) تقدم تخريجه قريبا. (٢) مثبت من النسخة الثانية. (٣) أخرجه ابن عدي في الكامل (٧/ ٢٩٧) في ترجمة محمد بن السائب الكلبي وهو متروك الحديث. (٤) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٢٢٠ رقم ٦٤٧٢).