سكنى هذه الدار بعشرة دراهم شهرًا كان إجارة، فعرفنا أن المعتبر هو المقصود، ومتى ضربا له أجلًا عُرف أنهما قصدا مباشرة عقد السلم.
ثم السلم أقرب إلى الجواز من الاستصناع فإن كل واحدٍ منهما مُستحسن، ولكن الآثار في السَّلَم مشهورة، حتى جاز فيما فيه تعامل وفيما لا تعامل فيه، فكان الأصل فيما قصداه إلا إذا تعذر جعله سلما بأن لم يذكرا فيه أجلا، فحينئذٍ يُجعل استصناعًا، ولأن الأجل مؤخر للمطالبة ولا يكون ذلك إلا بعد لزوم العقد، واللزوم في السلم دون الاستصناع، فثبوت الأجل فيه دليل على أنه سلم، وذكر الصنعة لبيان وصف المسلم فيه؛ ولهذا لو جاء به مفروعًا عنه لا من صنعته يجبر على القبول، وبهذا يتبين فساد قولهما: إنه سلم شُرط صنعة صانع بعينه، وما قالا: إن السَّلَم بحذف الأجل لا يصير استصناعًا؛ يشكل بالمتعة حيث لا تكون نكاحًا بحذف المدة عنها، ثم النكاح بذكر المدة فيه يصير متعة بأن تزوج امرأة شهرًا. الكل من المبسوط (١).
قوله:(نوع شبهة) فإن زفر (٢) والشافعي ينكران شرعيته، ولأنه عدة عند البعض لا بيع، فلا يُجبر على التسليم، ولأن جوازه بتعامل الناس، وتعاملهم في كل البلاد غير معلوم، فكان في تجويزه (٣) شُبهة، ولأنه نُقل عن الصحابة تعاملهم السَّلَم، وفي تعاملهم الاستصناع شبهة، والسلم مذكور في الكتاب والسنة فكان أقرب إلى الجواز، وذكر الأجل نص على السلم، فكان حمل اللفظ على السلم أولى.
(١) المبسوط للسرخسي (١٢/ ١٤٠). (٢) انظر: تحفة الفقهاء (٢/ ١٥٠). (٣) في الأصل: (تجهيزه)، والمثبت من النسخة الثانية.