للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

الانتِفَاعُ بِهِ زِرَاعَة وَسُكَنَى وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَالمِلكُ فِيهِ لِلوَاقِفِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ وِلَايَةَ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِصَرفِ غَلَّاتِهِ إِلَى مَصَارِفِهَا وَنَصبِ القُوَّام فِيهَا، إِلَّا أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِمَنَافِعِهِ فَصَارَ شَبِيةَ العَارِيَّةِ، وَلِأَنَّهُ يَحتَاجُ إلَى التَّصَدُّقِ بِالغَلَّةِ دَائِمًا وَلَا تَصَدُّقَ عَنهُ، إِلَّا بِالبَقَاءِ عَلَى مِلْكِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُمكِنُ أَنْ يُزَالَ مِلكُهُ، لَا إِلَى مَالِكَ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَشرُوع مَعَ بَقَائِهِ كَالسَّائِبَةِ. بِخِلَافِ الإِعْتَاقِ، لِأَنَّهُ إتلافٌ، وَبِخِلَافِ المَسجِدِ، لِأَنَّهُ جُعِلَ خَالِصًا

المملوكية عارضة فيه، فإذا رفعت بالإعتاق عاد كما كان، وبخلاف المسجد؛ حيث يخرج عن ملكه ويصير خالصًا لله تعالى، ولهذا لا ينتفع به بشيء من منافع الملك وإن كان يصلح لها، وله أصل في الشرع وهو الكعبة؛ فإنها محررة عن ملك العباد، فألحقت سائر المساجد بها، والوقف ليس بإزالة إلى الله تعالى، فإنه منتفع به زراعة وسكنى وغيرهما كما ينتفع بالمملوكات، وما للعباد فيه نفع لا يصلح الله تعالى؛ لأن ما الله تعالى يجب أن يكون بوصف الخلوص، وإذا ثبت أن القول بالإزالة غير ممكن وجب أن يبقى على ملكه ضرورة، ولهذا بقي رأيه وتدبيره بعده في نصب القيم وتوزيع الغلة، واعتبر شرائطه، ولو خرج عن ملكه لما صح شرطه في الغلة، كما لو أعتق عبده بشرط أن يصرف غلته إلى كذا، وجعل أرضه مسجدًا بشرط أن يصلي فيه فلان دون فلان، ومردّهما محمول على الوقف المضاف إلى ما بعد الموت.

قوله: (كالسائبة)؛ وهي الناقة التي تُسَيَّبُ لنذرٍ، وكان الرجل يقول: إذا قدمت من سفر أو برئت من مرضي فناقتي سائبة، وجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع، يعني: أن الوقف كَتَسِييْبِ أهل الجاهلية من حيث إنه لا يخرج من ملكه، كما لو سُيِّبتْ دابته لم تخرج من ملكه، فكذا إذا وقف أرضه أو داره. كذا ذكره في النهاية، وهو بعيد.

وفي الكافي: لا يزول ملك المالك في الوقف؛ لأنه لو زال فإما أن يزول إلى ملك أحد وهو ممتنع، أو لا إلى ملك أحد والأموال لا تقبله؛ لأنه يكون قولا بالتسيب وهو حرام.

وفي المبسوط: استبعد قول أبي حنيفة في الكتاب، ولهذا سماه تحكّما

<<  <  ج: ص:  >  >>