أن جنايته كانت قتلا فكانت على عاقلته، ولو كانت الجناية منه حال الردة كانت الدية (١) في الخطأ في ماله؛ لما بينا أن المرتد لا يعقل جناية أحد.
قوله:(إذا كان مكاتبا)؛ إذ الكتابة لا تبطل بالموت فبالردة أولى. قوله:(وأما عند أبي حنيفة … ) إلى آخره، هذا يشكل على قول أبي حنيفة؛ لأن كسب الردة لا يكون للمرتد عنده إذا كان حرا، وهاهنا جعله ملكًا للمكاتب.
ووجهه؛ أن المكاتب إنما اختص بأكسابه بعقد الكتابة، وعقد الكتابة لا يبطل بالردة؛ لأنه لا يبطل بحقيقة الموت فكذا بالموت حكمًا؛ بلحوقه بدار الحرب فصارت مكاسبه كمكاسب الإسلام، وجعل كأنه في دار الإسلام، إذ قيام ملك المولى في رقبته يمنع صيرورته حربيًا، ويجعل في حكم المتردد في دار الإسلام كذا في جامعي شمس الأئمة وقاضي خان (٢).
فإن قيل: إن مات عبدا كما قال الشافعي (٣)، يكون كسبه للمولى فإنه عبده وفي يده كسب فيكون لسيده كما قالت الأئمة الثلاثة (٤)، وإن مات حرا فيوضع في بيت المال؛ لأنه مال حربي في دار الحرب؛ إذ حريته تكون في آخر جزء من أجزاء حياته فكان ما اكتسبه في حال الردة كسب الحر المرتد فيكون فينا عند أبي حنيفة.
قلنا: ذلك جواب القياس، وفي الاستحسان ميراثه لورثته؛ إذ الحكم بحريته بالارتداد بعد الموت في الحقوق المستحقة بالكتابة، وذلك حريته وحرية أولاده، وحقيقة الملك له في المكاسب، وفيما عدا ذلك يعتبر ميتًا عبدا.
(١) كتب بعدها في الأصل: (كانت الردة كانت الدية)، وليس لها وجه، والمثبت من النسخة الثانية، والثلاثة. (٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٧/ ٢٩٢)، والفتاوى لقاضي خان (٣/ ٣٦٥). (٣) انظر: نهاية المطلب في دراية المذهب للجويني (٩/٢٢). (٤) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (٣/ ٢٩١)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (٦/ ٩١).