قوله:(وجمع خمس) أي ويحرم على رجل جمع خمس زوجات في عصمة نكاح لا في ملك، ولو تزوج خمسا في عقود لم تحرم عليه إلا الخامسة.
قال القرافي في كتابه: أنوار البروق في أنواء الفروق: الفرق بين قاعدة الإماء أن يجمع بين عدد شاء قل أو كثر، وبين قاعدة الزوجات لا يجوز أن يزيد على أربع منهن، وهو أن القاعدة أن الوسائل تتبع المقاصد في أحكامها، فوسيلة المحرم محرمة، ووسيلة الواجب واجبة، وكذلك بقية الأحكام، غير أنها أخفض رتبة منها، ومضارة المرأة يجمعها مع امرأة أخرى في عصمة وسيلة للشحناء في العادة، ومقتضى ذلك التحريم مطلقا، وقد جعل ذلك في شريعة عيسى ﵇، فلا يتزوج الرجل إلا امرأة واحدة، تقديما لمصلحة النساء، على مصلحة الرجال بنفي المضارة والشحناء.
ويقال إن ذلك شرع عكسه في التوراة لموسى ﵇ يجوز للرجل زواج عدد غير محصور يجمع بينهن تغليبا لمصلحة الرجال في الاستمتاع على مصلحة النساء في الشحناء والمضارة.
ولما كانت شريعتنا أفضل الشرائع جمع فيها بين مصلحتي الفريقين فيجوز للرجل أن يجمع بين أربع نسوة فيحصل له بذلك قضاء إربه، ويخرج به عن حيز الحجر، ويضاف لذلك التسري بما شاء، وروعيت أيضا مصالح النساء فلا تضار زوجة منهن بأكثر من ثلاث.
وسر الاقتصار في المضارة على ثلاث أن الثلاثة اعتبرت في مواطن كثيرة، فتجوز الهجرة ثلاثة أيام، والخيار ثلاثة أيام، والإحداد على غير الزوج ثلاثة أيام، والمضارة ثلاثة أيام، فهذه الصور كلها الثلاث مستثناة على خلاف الأصل، فكذلك لما كانت الشحناء والمضارة على خلاف الأصل استثنى منها ثلاث زوجات يضار بها زوجة أخرى.
هذا في الأجنبيات والبعيد من القرابات، وحافظ الشرع على القرابات القريبة وصونها عن التفريق والشحناء، فلا يجمع بين المرأة وأبنتها، ولا أمها؛ لأنها أعظم القرابات؛ حفظا لبر الأمهات والبنات، ويلي ذلك الجمع بين الأختين، ويلي ذلك الجمع بين المرأة وخالتها لكونها من جهة الأم، وبرها آكد من بر الأب، ويليه المرأة