للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَالوَزِيْرِ الَّذِي أَقَامَ مَنَارَ الـ … عَدْلِ في حَالِ شدّة وَرَخَاءِ

جَهلَ العِلْمَ بَعْدَهُ واسْتَخَفَ الـ … ـحلْمَ يَا طُوْلَ حَسْرَةِ العُلَمَاءِ

كَانَ فِيهِ الله سر خفي … دق معنى عن فِطْنَةِ الأذْكِيَاءِ

قُلْ لِمَنْ سرّه مصابكَ يَوْمًا … قَدْ كَفَى مَا جَرَى عَلَى الخُلَفَاءِ

يَا قَرِيبًَا دُونَ الأقارِبِ مِنِّي … وَوَلِيّ من سَائِرِ الأَوْلِيَاءِ

خُدْ عَرُوسَ الرَّاءِ مِنِّي تَحَلَّى … في ثِيابِ مِنْ صَفْوَتِي وَوَلائِي

قلت: ولم يَلِ الوزارة بمصر - بعد شاور إلى زمانه - مثله، وكان واسع النعمة، عريض الجاه، كثير السعادة في كل الأمور، لا يحسب فيما يتوجه إليه، وكان له العدد الكثير من المماليك الكفاة الأعيان، وتأمر منهم جماعة، منهم الحاج طيبرس، وطجنكي، وجلدك، وبيليك، وسائر المسيمين بالوزيرية وبالفائزة.

وحكي أنه لم يبع مملوكًا في مدة عمره إلا مملوكًا واحدًا طلب منه البيع مرة على مرة، وكان قد اشتراه وهو على حد البلوغ بثلاثمائة دينار، وبقي عنده إلى أن خط عارضه، فلما طلب البيع، شاوره عليه الدلال على مائة دينار، فقال له: ويحك أنا اشتريته وهو صبي ما ينفع بثلاثمائة دينار، وربيته حتى كبر، وجاء نفعه، ما يجيب إلا مائة دينار، فقال له الدلال: يا مولاي وأي عيب له أكثر من الكبر؟ فقال له: ولم؟ قال: لأنه كان يطلب، وهو أمرد لذلك العمل، وبقي الآن كل ما له في نقص، فقال: أو يفعل هذا؟

قال: نعم، فقال: هو حر لوجه الله. لا كنت والله سببًا في ذلك ببيع، ولا غيره.

وكان محبًا للعلماء، موقرًا للصلحاء، مقبلًا على الشعراء، مجزلًا للجوائز.

وللسراج الوراق فيه غر القصائد، ومن شعره فيه قوله حين ولي الوزارة: [من الكامل]

وَاللهُ وَطَّدَ لابْنِ صَاعِدَ رُتْبَة … مَدَّتْ لَهُ فَوقَ السُّها أطْنَابَا

شَرُفَتْ نَوَاحِي المُلْكِ بالشَّرفِ الَّذِي … سَحَتْ نَدَاهُ عَلَى البِلادِ سَحَابًا

أقْسَمْتُ لَو نَادَى الزَّمَانَ لأمْرِهِ … لَبَّى عَلَى صَمْتِ بِهِ وأَجَابًا

بَذَلَ الصَّنائِعِ وَالمَوَاهِبَ لِلوَرَى … أفْدِيْهِ مُصْطَنِعًَا لَهَا وَهَّابًا

مُتَهَلِّلٌ بِشَرًَا وجُودُ يَمِينِهِ … مُتَهَلِّلٌ مِثْلَ السَّحَابِ رِعْابَا

مَا شَيَّدَ الوُزَرَاء دُونَكَ مِدْحَةً … أَجْرَتْ قَوَافِيْهَا إِلَيْكَ عِذَابًا

خَطَبَتْكَ حِيْنَ رَأتْكَ كُفًْا للعُلا … فَسَعَتْ إليكَ وَرَدَّتِ الخُطَّابا

وكذلك قوله فيه، ويذكر الصلح بين الملك الناصر صاحب الشام والملك المعز صاحب مصر، وكان هو المسبب له والمسيء لعقده: [من الكامل]

يُثْنِي عَلَيْكَ المُلْكُ وَالدُّوَلُ … وَاللهُ وَالأمْلاكُ وَالرُّسُلُ

تُثني على إقْبَالَهَا هِمَمًَا … مَا لِلزَّمَانِ بِرَدِّهَا قِبَلُ

<<  <  ج: ص:  >  >>