للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

زعيم بره وأنعامه، رحابه معمورة بالمنائح، مملؤة بالذبائح، كان كل أيامه منى، وكان كل أوقاته أوقات هنا، لا تزال لياليه شريفة، ويده للدماء مريقة، وساعاته رياضًا زواهر كأنها كلها شقيقة، وهو جد الصاحب تاج الدين بن هنا لأمه، وبه كان يفتخر من حديه، ويملأ إذا ذكر يديه، فقد كان واحدًا لا تخلف له مواعد، وكريمًا لا تزمجر له مواقد، وعليًا لا ينكر له. وجده كأبيه صاعد هذا إلى ستر يسبل على الجرائم، وسبع على الرعايا إشباع مثله منه على الكرائم، ولم يستطع مماثل أن أقله، ولا ولد الزمان بعده مثله.

قال ابن اليونيني (١): كان في صباه نصرانيًا، ويلقب بالأسعد، منسوب إلى الملك الفائز إبراهيم بن العادل، لأنه كان خدمه أولًا، ثم أسلم وترقى، وكانت عنده رئاسة ومكارم، ونفسه تسمو إلى الرتب العالية، وخدم الكامل بعد موت الفائز، ثم خدم ابنه الصالح، وتنقلت به الأحوال حتى استوزره المعزّ بعد قاضي القضاة تاج الدين العلائي ابن بنت الأعزّ، ومكن عنده حتى مكن في خواص الأمور، وتقدم على الجيش في الحرب.

قلت: كان الركن الصرمي عند اختلال الدولة، وانحلال الصولة قد خرج بالصعيد واستمال أكثر سكانه، وسائر عربانه، وتلقب بالمنصور، ودام بالملك، ورمى فما أخطأ الهلك، فخرج إليه الفائزي في الطائفة من العسكر، وقدم قدامه مملوكه شهاب الدين جلدك إلى الشريف بعلب كسر وله نوافر العربان، وتمهد لمقدمه فأنجح سعي جلدك، ومهد له المسلك، فقال السراج الوراق في ذلك: [من لخفيف]

نَجَحَتْ إِذْ بَعَثْتَ تِلْكَ الرِّسَالَة … وَعَلَى نُجْحِهَا أَقَمْتَ الدَّلالَة

ضلَّ مَنْ لَمْ يُؤْمِنُ بِهَا وَكَفَى الله … بِها مَنْ هَدَيْتَ شَرَّ الضَّلالَة

فَسَلَلْتَ الأَضْغَانَ مِنْ كُلِّ صَدْرٍ … فِيْهِ نَفْسٌ مُحْتَالَةٌ مُغْتَالَة

رَدَّدَ الجَهْل مَا اسْتَعَارَ وَمَا … أَمْهَلَهُ الدَّهْرُ أَنْ يُطِيْلَ مِطَالَة

كُلَّمَا اخْتَال في حِبَالِةِ كَيْدٍ … لِسِوَاهُ صَادَتْهُ تِلْكَ الحِبَالَة

إِنَّ مَنْ عانه السَّعَادَة مَا أَظْهَرَ … إِلا جُنُونَهُ واخْتِلالَة

الوَزِيْرُ ابنُ صَاعِدٍ صَانَهُ اللهُ … سُعُودًا أَجْرَتْ على النَّصْرِ فَالَه

وَنَجَاحٌ يَلُوْحُ فِي كُلِّ أَمْرٍ … وَفَلا يَبِينُ في كُلِّ حَالَهُ

وَلَقَدْ أَنْذَرَ العِدَا بِشِهَابٍ … يَتَلَظَّى شَجَاعَةً وَبَسَالَة

قلتُ لمَّا اقْتَفَى إلى المَجْدِ … مَسْعَاهُ أَجَلْ مَا وَرِثَتْهَا عَنْ كَلَالَهُ


(١) ذيل مرآة الزمان ١/ ٨٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>