وقال وقد ذكر كتابته: والكتابة أربعته. وعلى كل حال فله بها يد، ونفس ممتد، وله فيها يد وغد.
وقد ذكر ابن حيان كيف غرب وطلع، وكيف طار حتى وقع.
ومما قال فيه: كان جامعًا للآداب الملوكية، مؤثرًا للدفاتر، مغاليًا بها، بلغت عنده أربعمائة ألف مجلد، وأما الدفاتر المخزونة فلم يوقف على عدتها على كثرتها، وكان مع ذلك أغنى ملوك الأندلس. ورث من أبيه خمسمائة ألف مثقال جعفرية، سوى الفضة، والآنية، والحلية، وأما الأمتعة في المخازن والكسوة، والطيب، والفرش، فبحسب ذلك.
ثم حاط هو تلك النعمة بالبخل الشديد القبيح، وحماها بالإمساك الصريح وأثلها بالتكسب والترفيح، حتى صارت أضعافًا مضاعفة، ولم يوفق فيها لبر مزلف، ولا الصنيعة مشكورة، بل أسمن جسمه، وأهزل عرضه، وأشبع بطنه، وأجاع ضيفه.
يطوف في مقاصيره على خمسمائة من مثمنات القيان، وربما لم يكن حظ الحسناء منهن غير لدغة العضة، ثم لا يعود الدهر إليها، فاتهم بعهر الخلوة للذي شهر به من قلة الجماع إلى نحل لا كفاله يحمل الناس عنه في ذلك أحاديث شائعة، من أخصر من حكاه لي الوليد بن زيدون عن أبي الباجي كاتب الرسائل، قال: دعاني ابن عباس يومًا مع خواص من أصحابه إلى داره فسرنا مجلس فاهتك به مشاكل الحسن في فرشه، وستوره، وآلته وآنيته قد صنفت فيه فواكه غريبة، وأنقال ملوكية على طوله ما وقعت عيني قط على أكثر منها، ولا أغرب من أجناسها، ولا أنفس من أطباقها، وقد غطي جميعها بمناديل شرب تبين صورتها من تحتها، فتطرب العيون والقلوب إليها، فأخذ في ملاعبتها بالشطرنج ولهى من سائر ما أراد بنا إليه، ووصل اللعب بها نهاره كله، وبعض ليلته، لا يرفع رأسه يدعو لنا بطعام، ولا غيره، إلا أن رجعنا، وألححنا عليه بالانصراف، فانصرفنا ولم نر شيئًا مما كان أعدّ لنا، وما اعتذر إلينا، وما منا من أسى على ما حرمه مما كان بين يديه، وتعجبنا من … وبخله، واستخفافه بمن دعاه.
ومن نثره قوله (١):
«وكتابي هذا إليكم، وقد أنفقت الكلمة في وضع رأس الإمارة على كاهله،