للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أو مرَّ بالروض، لأصبح حممًا، أو لامس المسك لعاد دمًا، لو نفخ في الهواء، لما نفخ، أو أمسك بحجر الزناد، لما قدح، لو كان في عصر مادر لما ضرب به المثل في اللؤم، أو سكن في المدن العوام، لصاحته على أرجائها البوم، انحل من رب كلب، واكز من باب ضبّ، وأشح من باب … ، وأضنّ من الكندي باللاء المسمومة للحين، لا يفتح كفه، ولو ثقب بمسمار، ولا يجري البخل معه في مضمار.

قال ابن بسام: كان أبو جعفر هذا قد بذ الناس أهل وقته في أربعة أشياء: المال، والبخل، والعجب، والكتابة.

قال - وقد ذكر بخله -: لو أن أبا بحر رآه لما ضرب في البخل مثلًا، ولا ذكر معه في رسالته رجلًا. له فيها أخبار تخرق سجف العادة، وتضيق عن قبول الزيادة.

وقال - حديث عن الوزير ابن الجد وكان امرًا صدق - قال: سافرت أيام الشبيبة في معسكر زهير فتى ابن أبي عامر قبل أن يظهر، ويشتهر بصحبة السلطان ذكرى، فرحلنا في بعض الأيام، وقد خلص إلى الأحشاء برد الأحسام وسوى برس السماء بين السماء والأكام، حتى كأنَّ الأرض صفحة حسام، أو صبر غمام وعبث مطر قد غادر الكثبان وغوثا، وصيَّر المسالك تلاعًا ميتا فكبت بي فرسي، وقد تأخرت عن صحبي، وساخت رجله في بعض ذلك الخيار، فصرعت لحيني، وكانت عندي فروة فيل أعدها لأيام القر، فاستظهرت بها يومئذ على شدّة ما كنت فيه على الجهد، وخفته من عادية ذلك البرد فأصابه من الطين ما كاد يشككني في عيافة، وأقمت عامة يومي على إصلاح ما فسد من شأني وشأنه فوردت العسكر، وقد زاحمت الليل، وبث الوزير المذكور في طلبي الخيل، فساعة رآني قال: ما غالك؟ وأي شيء حبسك لا أبا لك؟ فطفقت أقص عليه أمري، وهو يضحك وكان آخر ما راجعني به: أما عندك إلا هذا الفنك، ثم انتفخ واستدعى قهرمان ثيابه وقال: كم أودعت عيابي، وأدرجت في أثناء ثيابي في سفري هذا من الأفناك فجاء بعدد بها. ما ظننتها تجتمع لأحد ولا يحيط بها ملك يد، قال أبو محمد: ولم أشك في تحصيل فروة، وجرّ ذيل كسوة فوالله ما زاد على أن عدها وأمر القهرمان، فردّها، ثم قال: يا أبا محمد هذه ثياب سفري ومهنتي، وكيف لو رأيت ثياب المدينة، وملابس الزينة.

وقال ابن بسام (١): وقد ذكر عجبه والعجب فلم يكن الفضل بن يحيى، ولا معلمه عمارة بن حمزة، ولا عبيد الله بن ظبيان، ولا مطعم بن جبير، في ذلك إلا بعض


(١) الذخيرة ق ١/ مج ٢/ ٦٤٣.

<<  <  ج: ص:  >  >>