واجتلى سوافره، وراض حتى الضرغام الأسد، فما سَنَّ أنيابه ولا حدَّ أظافره.
وكان هو وبهاء الدين زهير الكاتب رضيعي لبان، وخليعي عذار وعنان.
وكانا يتنازعان المعاني كؤوسًا دهاقًا، ويتسارعان إلى المعالي فيها لحاقًا، وكانا رسة نصرهما، وشغل أهل عصرهما، وشعرهما دوس أهل ذلك الزمان، ودور ما كانت تتعاطاه الندمان، وبينهما من المراجعات ما يكفل للعشيان بأن لا تهجع الزمان بمثله فآلى ألا يرجع. خدم في الدواوين، يخلع وظيفة، ويلبس وظيفة، ويباشر رتبها خاضعة ومنيعة، واتصل بالخدمة الكاملية اتصالًا ظهر سعده في ابنه الصالح، وبهر مجده رماح الصائح، وولي وزارة الشام مدَّة كأنها أحلام نائم، أو أوقات لائم، إلى أن فطن الدهر، وقد كان عقل وآب تصرفه، وكان قد قفل، فعزل وتعزلت الدنيا من أيامه الحسان، ورحل ومعه جملة الإحسان.
اتصل بخدمة الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل بحال نيابته عن أبيه الكامل بالديار المصرية.
ولما اتسعت مملكة الكامل بالبلاد الشرقية، فصار له آمد، وحصن كيفا، ومران، والرها، ورأس عين، وسروج، وما انضم إلى ذلك، سير إليها ابنه الصالح نائبًا عنه سنة تسع وعشرين وستمائة، وكان ابن مطروح - المذكور معه ولم يزل ينتقل في تلك البلاد إلى أن وصل الصالح إلى مصر مالكًا لها سنة سبع وثلاثين، ثم وصل ابن مطروح بعد ذلك إلى الديار المصرية في أوائل سنة تسع وثلاثين وستمائة، فرتبه السلطان ناظرًا في الخزانة.
ولم يزل يقرب منهن ويحظى عنده إلى أن ملك الصالح دمشق في الدفعة الثانية سنة ثلاث وأربعين، ورتب لدمشق نائبًا، فكان ابن مطروح في صورة وزير لها، وحسنت حاله، وارتفعت منزلته.
ثم إن الصالح توجه إلى دمشق، فوصلها في شعبان سنة ست وأربعين، وجهز عسكرًا إلى حمص لاستنقاذها من نواب الناصر يوسف فسير ابن مطروح مع العسكر المتوجه إلى حمص، وأقام الصالح بدمشق إلى أن ينكشف له ما يكون من أمر حمص، فبلغه أنَّ الفرنج اجتمعوا بجزيرة قبرص، على قصد الديار المصرية، فسير إلى عسكره المحاصرين بحمص، وأمرهم أن يتركوا ذلك القصد، ويعودوا، فعاد بالعسكر، وابن مطروح في الخدمة، والملك الصالح متغير عليه، متنكر له لأمور نقمها.
وطرق الفرنج البلاد سنة سبع وأربعين وملكوا دمياط وخيم الصالح بعسكره على المنصورة، وابن مطروح مواظب [على] الخدمة مع الإعراض عنه.