بين باب الحلية وباب الظفرية، لينزله أعيان التتار.
وكانت بغداد - على ما ذكر ابن النجار - في أيام السلجوقية، إذا قدمها العسكر من العجم ودخلوها، ونزلوا في بيوت الرعية وخالطوهم، وامتزجوا بأهاليهم، وتصرفوا في القماش والحريم، فخربت بغداد، ونزح كثير منها، لهذه المفسدة الكبرى، فأنشأ عطا ملك للمغول هذه الأماكن الفسيحة كفًا، لأذى العسكر.
ثم أنشأ رباطًا كبيرًا بالمشهد النجفي، وأجرى إليه الماء، وإلى جامع الكوفة، وأنشأ المدرسة العصمتية على المذاهب الأربعة.
وفي سنة ست وسبعين وستمائة كان القحط بالعراق، فعمل دار مضيف للضعفاء، وبر للمستورين، وهم بإنشاء قناطر على دجلة، فقال المعمار: يزيد ذلك مائتي ألف دينار، فأمر بعمل بركة وسط المستنصرية يصعد إليها بدار بعد أن يحمل الماء إلى المدرسة في القرب.
وكان له مجلس يجتمع فيه العلماء يتناظرون، ويبحث معهم ويكرمهم. وقال البهاء علي بن عيسى الكاتب: كاتبني الصاحب عطاء ملك، والغل في عنقه ويده، في يوم بارد، وهو جالس على الرمل، وعليه قميص، وهو صابر حامد الله: [من الكامل]
لا تَعْجَبَنَّ لِمَا جَرَى … فالخَيْرُ فِيهِ لَعَلَّهُ
قدْ كُنْتَ عَبْدًا آبِقًَا … يَعْصِي الإلَهَ فَغَلَّهُ
قال ابن عيسى، وعمل الصاحب أيضًا: [من الوافر]
لَئِنْ نَظَرَ الزَّمانُ إليَّ شَزْرًَا … فَلَا تَكُ ضَيِّقًَا مِنْ ذَاكَ صَدْرَا
وَكُنْ باللهِ ذا ثقَةٍ فإنّي … أرى للهِ في ذَا الأَمْرِ سِرًا
زَمَانِي إِذْ رَمَانِي لا أُبَالِي … فَقَدْ مَارَسْتُهُ عُسْرًا وَيُسْرَا
وقَدْ صَاحَبتُهُ سِتِّينَ عَامًَا … مَضَيْنَ وَذُقْتُهُ حُلْوًَا ومُرًا
سَلَكْتُ فِجَاجَهُ حَزْنَا وَسَهْلًا … وَخُضْتُ غُمَارَهُ مَدًا وَجَزْرَا
رأيتُ الدَّهْرَ لا يَبْقَى بحالٍ … يُرِيْكَ الوَجْهَ ثُمَّ يُرِيكَ ظَهْرَا
إذا دُكَّتْ جِبَالُ الصَّبْرِ دَكًَا … تَرَى مِنِّي فُؤَادًَا مُسْتَقِرًا
فَفِي البَأسَاءِ لَمِ أَخْضَعْ لِبُوسٍ … وَفِي السَّرَّاءِ لَسْتُ أَطِيشُ كِبْرَا
في أبيات:
ومن شعره: [من الطويل]
رَعَى اللهُ أَيَّامًا لَنَا وَلَيَالِيَا … تَقَضَّتْ وبُرْدُ العَيْشِ صَافٍ مُفَوَّفٌ