للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ألا موت يُباع فأشتريه … فهذَا العَيْشُ ما لا خَيْرَ فِيْهِ

أذَا أَبْصَرْتُ قبرًا من بعيدٍ … وَدِدْتُ لَوَ أَنَّنِي مِمَّا يَلِيْهِ

ألا رَحِمَ المُهَيْمِنُ نَفْسَ حرّ … تصدَّقَ بالوفاة على أخيه

ثم جاء سنته المخاض، ولا عاجل سنته من غيره الكرى لانتهاض، حتى وزر لمعز الدولة وقهر بعزّ الصولة، وبلغ ما خيار إليه صاحبه انفق عليه فأتاه قاصدًا، وتقصد أو توصل إليه، حتى وقف ناشدًا ومنشدًا:

ألا قُلْ لِلوَزِيرِ -فدته نفسي- … مقال مذكّر ما قد نسيه

أتذكر إذ تقول لضنك عيش … ألا مَوتُ يُباع فأشتريه

فلما نظر في رقعته تذكره، وقصت عينه أثره، وأقبل على شأنه، وقضى دينه بإحسانه، وهم الكرام كالشجرة الطيبة إذا نما فرعها، واستطال رعى للأرض حق … فاكتنفها من الهجير بظلال، وأمر له بسبع مائة درهم دارًا بما اتبعها عنه اللهم. ووقع على رقعته … ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) ويوفي السبعة من الأعداء لهذا الاستشهاد.

ثم دعا به، فأفاض عليه خلعًا، وقلّده عملًا متسعًا، وكان معه كنزيل آبائه المهالبة الأول، أو كالشمس نادت الربيع لما نالت الحمل.

وكان هذا الوزير - على استغراق وقته في التدبير - له صدر يسع من الإحسان ما يقصر عنه المزن، ويضيق الزمان ويد تفل … . وتكف الظلم وعدوله غاية في الأدب تفوت، ونهاية الكمال إلا أنه يموت، لقلبه إلى أهل الفضل روع، ولخاطره بالندى والبيان ولوع، أنساس قلب عطارد، أو تكلم فكأنه يطارد … على قالب الإحسان مصبوب، فيختلس.

وبشعره يضرب المثل في الرقة، فيسهل فيطمع، لولا ما طريق تلك للسهولة من المشقة، كما قال القائل: [من الخفيف]

يا من إذا أراد سرارى … عَبَّرَتْ أنفاسُهُ عَنْ عَنْبَرِ

وَسَبَانِي تَغْرٌ كَدُرٌ نَظِيْمِ … تَحْتَهُ مَنْطِقٌ بِنَفْرٍ نَشِيرِ

وله طَلْعَةٌ كنَيلِ الأَمَانِيُّ … أو كَشِعْرِ المُهلبي الوزير


(١) سورة البقرة: الآية ٢٦١.

<<  <  ج: ص:  >  >>